يشعر بالأمان بوجوده في غزة، على الرغم من مرور المنطقة بحروب خلال الأعوام السابقة، تحديات كثيرة تواجه مدير عمليات وكالة غوث للاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في قطاع غزة الدنماركي الجنسية، بو شاك، الذي تسلم هذا المنصب قبل عام ونصف تقريباً، بعد عمله في مؤسسات الأمم المتحدة أكثر من 30 عاماً، بالتعامل مع أوضاع اللاجئين، في المفوضية السامية لحقوق الإنسان وسكرتاريا الأمم المتحدة في العديد من القارات.
بعد أسبوع من التواصل مع إدارة الإعلام في «الأونروا»، تمكن مراسل «البيان» في فلسطين من لقاء بو شاك بعد اقتناص فرصة وقت فراغ في جدول أعماله تم تحديدها ساعة واحدة لزيارته. وقال شاك: «أشعر بالسعادة الغامرة وكذلك بالتواضع إزاء المهمة التي تنتظرنا. إنني أتطلع قدماً إلى الخروج إلى المجتمعات في غزة وزيارتها للاستماع إلى صوت الناس الذين نخدمهم وللتعلم من تجاربهم، كما أنني أعتبر المناصرة من أجل أحد أكثر المجتمعات المعزولة في العالم أولوية أساسية».
يوم مليء بالعمل
غرفة واسعة تحتوي على مكتب كبير وطاولة اجتماعات عليها عشرة كراسيّ بجانبها خريطة كبيرة لقطاع غز، وطقم استقبال صغير لاستضافة الزوار، وعلى زاوية المكتب علم كبير للأمم المتحدة، بجانبه كؤوس رياضية، تلك هي غرفة مدير أهم وأكبر مؤسسة خدماتية في فلسطين. فالمكتب يقع في بناية صغيرة خاصة بمدير عمليات وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين، وسط مجموعة مبانٍ صغيرة وكبيرة وسط مدينة خاصة بـ«الأونروا»، وهي المقر الرئيس لعمليات الوكالة في غزة، فيومه مليء بالزيارات والاجتماعات والمواعيد، ويتخلله لقاءات مع أصدقاء من المجتمع الفلسطيني، حتى بعد دوامه داخل مكتبه، ينتقل عمله معه إلى منزله، ويتم إطلاعه كل دقيقة على مستجدات العمل. لكنّ هناك جانباً إيجابياً في قطاع غزة يتمثل في إبداعات وقدرات الشباب في غزة، وهذه أطول فترة تمر في غزة من دون حرب، بعد فصل الحروب الثلاث في قطاع غزة عامين في كل مرة، ولكنه يرى أن الوضع السياسي صعب في قطاع غزة نتيجة الانقسام، لأنها مسألة مهمة يجب حلها حتى يستطيع الشعب الفلسطيني إظهار إمكانياته لتبقى غزة جميلة.
أزمة الموظفين
وخلال الزيارة وقبيل الحديث عن التحديات التي واجهت الوكالة خلال عملها في القطاع، أصر بو شاك على توضيح أن ما جذبه في غزة هو التاريخ الجميل لهذه الأرض، باعتبارها من أقدم بقاع الأرض في العالم، وما فيها من مناطق أثرية زارها وأعجبته، إضافة إلى وجود التنوع الديني كوجود الكنائس إلى جانب المساجد.
وعاد بعد ذلك للحديث عن التحديات قائلاً إن العام الماضي كان مليئاً بالتحديات بالنسبة إلى الوكالة، وذلك بعد خلاف بين الإدارة والاتحادات في «الأونروا»، انتهت بالتوصل إلى حل هذا الخلاف، والوصول إلى تفاهمات حتى نستطيع مواجهة التحديثات ودعم اللاجئين الفلسطينيين وتقديم الخدمات لهم.
وتوقع أن تصدر السلطة الفلسطينية بياناً تتحدث فيه عن زيادة الرواتب لموظفيها، حيث تطبق «الأونروا» معيار الرواتب بناء على الدولة المستضيفة، ورب العمل المقارن هنا هو السلطة الفلسطينية، وبالتالي أي زيادة تتعلق بزيادة رواتب موظفي السلطة ستقوم عليها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بالنظر إلى إمكانية زيادة رواتب موظفي «الأونروا»، وهذا هو لب الإشكالية بين «الأونروا» والموظفين.
وجاءت هذه الإشكالية بعد قرار الوكالة بزيادة موظفي الصحة فقط لديها، الذي ستطبقه حالياً لموظفي الصحة بناءً على رواتب نظرائهم في المؤسسات الحكومية.
وأكد أن هناك محادثات بين الوكالة والاتحادات في هذا المجال، للوصول إلى تفاهم في تطبيق نظام الرواتب الجديد في الصحة، حتى يفهم الجميع منظور «الأونروا» من هذا الشأن الذي تترتب عليه مشكلات مسبقة بتعليق العمل في مدارس الوكالة أياماً عدة، بناءً على تعليمات اتحاد الموظفين.
البطالة
ولفت بو شاك إلى أن موظفي العقود الدائمة والعقود المحدودة هم جزء من التحديات التي تواجهها الوكالة في قطاع غزة، في بيئة ترتفع فيها نسبة البطالة إلى نسب غير مسبوقة وأعلى من معدلات البطالة في العالم، وفي هذا المجال هناك تحدٍّ يواجه «الأونروا» من حيث تمديد العمل للموظفين قبل التقاعد للحفاظ على دخل لهم.
وفي المقابل، الخريجون الجدد ينتظرون أن تقوم «الأونروا» بتقديم وظائف لهم، وهذا تحدٍّ شديد وخطر جداً يواجه «الأونروا»، ولكنها تصدر بين الحين والآخر بعض الوظائف المحدودة الأجل، حتى تستطيع أن تقدم وظائف للخريجين الجدد الذين ينتظرون مثلها، ليحصلوا على دخل، ويصقلوا مهاراتهم عبر الوظائف الجديدة.
واتفقت الوكالة الدولية مع الاتحاد على إنشاء مجموعة فيها ممثلون عن الاتحاد وإدارة الموارد البشرية والشباب الخريجون الذين توجد أسماؤهم على قوائم الخريجين للحصول على وظائف، للتشاور دائماً فيما يمكن أن تقدمه «الأونروا» للخريجين وتزويدهم بفرص عمل جديدة، خصوصاً أن «الأونروا» من كبرى المنظمات التي تشغّل اللاجئين في قطاع غزة، وتواجهها تحديات كبيرة، ولكن النقاش مع المجموعة يهدف إلى تطوير الخدمات المقدمة للشباب، في ظل ارتفاع نسبة البطالة في قطاع غزة. وبعدما كان مسترسلاً في الحديث، قطع مدير عمليات «الأونروا» في قطاع غزة حديثه، ليوضح أنه دنماركي الجنسية، ويعيش في قطاع غزة وحيداً، بينما تقيم عائلته وأطفاله الأربعة في أوروبا، وأنه يتمنى أن ينتهي الحصار عن القطاع لتعيش معه عائلته، حيث يشعر في هذه المنطقة بجمال الروح لدى الشعب الفلسطيني، ويفتخر بوجوده بين الفلسطينيين وتقديم الخدمات لهم، لملامسته الإلهام والعزيمة الموجودين لدى اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، اللذين يركز عليهما خلال عمله، ليتحدث إلى المجتمع الدولي في لقاءاته معهم عن طبيعة الناس في غزة، ويفتخر باهتمام الناس في غزة بالتعليم.
الوظائف المؤقتة
ومن ثم تابع الحديث الذي توقف عنده قائلاً: إن «تزايد الخريجين كل عام يرفع نسبة البطالة في غزة، إلا أن الوكالة شغّلت 1600 خريج هذا العام ضمن الفرص المؤقتة، وهي من أكثر المسائل تعقيداً في وجه «الأونروا»، حيث تقوم ببعض الخطوات للقضاء على البطالة، من خلال برنامجها لخلق فرص عمل، خصوصاً للعائلات التي تعاني وضعاً اقتصادياً متردياً، عبر منح وظيفة لأحد أفراد العائلة، إلا أن «الأونروا» لن تستطيع وحدها حل هذه المسألة، بسبب الأعداد الهائلة من الخريجين وتردي الوضع الاقتصادي وانعدام الأفق أو أي مجال للتنمية الاقتصادية، ونحتاج إلى تكثيف الجهود لنستطيع تقديم ما نقدر أن نقوم به».
وأوضح أن هناك مناقشات وحوارات تقوم بها الوكالة مع وزارة العمل والمؤسسات الدولية في فلسطين لمواجهة هذا التحدي، إلا أن ما يفرضه الحصار من إغلاق وعدم وجود استيراد يمكّن من البدء بالقيام ببعض الصناعات، إضافة إلى القيود المفروضة على حركة السكان، يضع حدوداً لما تفعله «الأونروا» في غزة من أجل توفير عمل للشباب.
الإعمار
وتمكنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، بعد العدوان الأخير على قطاع غزة، من تأهيل المؤسسات والعيادات والمدارس التي دُمرت، إضافة إلى أعداد كبيرة من المنازل التي تعرضت لأضرار جزئية، وتعمل حالياً على إعادة بناء وإعمار المنازل التي دُمرت كلياً.
وقال بوشاك: «نأمل أن نستطيع بنهاية العام الماضي إعمار ما يقدر بـ2000 منزل من تلك المنازل التي دُمرت خلال العدوان الأخير، إلا أن عدم الحصول على الموافقات اللازمة من الجانب الإسرائيلي لدخول مواد البناء كان له أثر، ومع ذلك أعدنا حتى اللحظة بناء 1400 منزل بشكل كامل».
اللاجئون
وعندما سألناه عن الخدمات التي تقدمها الوكالة للاجئين، توقف عن الحديث قليلاً، وأوضح أنه بالمناسبة لا ينوي ترك قطاع غزة، لسعادته وفخره بوجوده فيه، وأنه أصبح جزءاً من اللاجئين من خلال تجربته الجميلة، بعد عمله سنوات طويلة بين اللاجئين في العالم، على الرغم من مروره بتحديات كثيرة تواجهه في قطاع غزة. وقال وعاد ليقول إن الوكالة تقدم خدمات أساسية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس، وتقدم الدعم للاجئين السوريين الذين فروا من الحرب إلى الدول المجاورة، وإن هناك وضعاً صعباً جداً، ولكن «الأونروا» تحاول تقديم ما تستطيع من خدمات، وهذه أعباء إضافية على الدول المضيفة، ولكن «الأونروا» تحاول تقديم الدعم للاجئين السوريين في غزة، على الرغم من وجود عدد قليل منهم هنا.
التجهيزات لعدوان
وصرح مسؤول في «الأونروا»، قبل أيام، بأن «الأونروا» جهزت 50 مدرسة لإيواء النازحين في وقت الطوارئ، إلا أن بو شاك نفى وجود أي معلومات عن حرب أخرى قادمة، مؤكداً أن تجربة «الأونروا» في السنوات الماضية جعلتها تستخلص العبر من الظروف الطارئة التي مرت بها، بتطوير البنية التحتية في المدارس للتجهيز لأي طارئ، وليس بالضرورة أن يكون هذا الطارئ حرباً، ولكن الاستعدادات لأشياء طارئة قد تحدث. كما أكد أن الاستعداد في المدارس ليس له علاقة بالحرب، وهي خدمات في مؤسسات مختلفة تابعة لـ«الأونروا»، وأن البداية كانت في 50 مدرسة تخدم الطلاب والعاملين في المدارس، متمنياً أن يمتد هذا المشروع ليشمل جميع المدارس في غزة، لتستطيع «الأونروا» تطوير البنية التحتية في المدارس، وهذا جزء من خدماتها.
الظروف الحالية
وعن انعكاس الظروف الحالية على «الأونروا»، قال بو شاك: «منذ أن توليت منصبي في «الأونروا» حتى الآن، بنينا مدرسة كل شهر، وذلك حتى نستطيع أن نواجه الأعداد المتزايدة للطلاب المسجلين في مدارس «الأونروا»، ونحاول البحث عن مبادرات جديدة أو تمويل جديد، حتى نستطيع أن ننفذ المشاريع التي في النهاية تزوّد اللاجئين بخدمات جيدة».
حصار
يعيش قطاع غزة تحت حصار خانق تفرضه إسرائيل منذ العام 2006، وشددته في 2007 تحت ذريعة سيطرة حركة حماس على القطاع. يشتمل الحصار على منع دخول السلع الأساسية والمحروقات والكهرباء، فضلاً عن منع الصيد في عمق البحر، وإغلاق المعابر. قامت إسرائيل بعد الاعتداء على أسطول الحرية الذي كان يستهدف كسر الحصار بالتوريج عالمياً بأنها «خففت» حصار غزة
الإمارات وفرت مساكن لمئات الفلسطينيين
يؤمن بوشاك بالدور المهم الذي قامت به دولة الإمارات في دعم «الأونروا»، وما قدمته من خلال المشروع الإماراتي في خانيونس، الذي وفر وحدات سكنية مميزة للمئات من العائلات الفقيرة، ما أسهم في تطوير حياة اللاجئين الفلسطينيين، وهذا هو النوع من الدعم الذي نأمل بأن يستمر.
كما ذكر أن الوكالة تمكنت من القيام ببعض المشاريع من خلال الدعم المقدم من المانحين مثل الإمارات، من خلال دعمها للوكالة ومشاريع الأعمار، وخلقت فرص عمل للعمال غير المهرة، وهذا الدعم هو الشيء المهم من خلق فرص عمل للاجئين من قطاع غزة.
وأوضح أنه في العام الماضي والأعوام التي سبقته مرت «الأونروا» بأوضاع مالية صعبة وأزمة شديدة، في ظل تزايد أعداد اللاجئين والخدمات التي تقدم للاجئين، لأن «الأونروا» مؤسسة غير ربحية، تعتمد بالكامل في ميزانيتها على التبرعات التي تتسلمها من الدول المانحة وحتى التبرعات الفردية.
ولفت إلى أن اعتماد الوكالة على التبرعات من الدول أو المؤسسات يعني أنها تبدأ من الصفر كل عام، للحصول على دعم للبرامج والخدمات الأساسية التي تقدم للاجئين، واعترفت الجمعية العمومية نهاية العام الماضي بالدور الخاص الذي تقدمه الوكالة للاجئين.
وطالب بوشاك بأن يكون هناك دعم مستدام لـ«الأونروا»، لأنها تقدم خدمات للاجئين، وذلك بعد طرح القضية للسكرتير العام الجديد، وهي كيفية تحويل الدعم المقدم للوكالة إلى دعم مستدام، بمعنى ألّا تضطر إلى المرور بأزمات مالية ككل عام، لتقديم أفضل الخدمات للاجئين.
دعم
أشار بوشاك إلى أن الدعم المستدام لـ«الأونروا» جيد، ولكن ذلك لن يشمل إعادة الإعمار، وهذا يجعلها بحاجة إلى دعم الدول المانحة للمساعدة على إعادة الإعمار، وتوفير وحدات سكنية لتطوير حياة اللاجئين، وتوزيع مواد غذائية عليهم.