تبلورت الساحة العراقية بعد الاحتلال الأميركي في صورة بالغة التعقيد بلا شك، لم يخلف مكانه دولة عراقية كفؤة ومستقرة وقادرة، لا بمعنى الدولة التابعة ولا بمعنى الدولة الوطنية المستقلة.

 يرى معظم العراقيين، أن الترويج الحالي لما يسمى «مشروع التسوية التاريخية»، ليس سوى «محاولة يائسة»، لتبرير فشل نظام الحكم «في إدارة شؤون البلاد، وهو في الوقت نفسه «اعتراف» صريح بهذا الفشل، وما تبنّي «التحالف الوطني»، لهذا المشروع «المبهم»، إلا محاولة من بعض أطرافه للتنصل من المسؤولية التاريخية، بغية تحقيق مصالح حزبية، على حساب الأطراف الاخرى.

مبادرة هلامية

وبدلاً من الحديث عن الفشل، وأسبابه ومسببيه، يتم طرح مبادرة «هلامية» لا تمس جذور المشكلة، الأمر الذي دفع معظم المراقبين السياسيين، للنظر إليها كنسخة مستنسخة عن «الترهات»، في ما تسمى «المصالحة الوطنية»، التي نتج عنها الكثير من التشعبات والانشقاقات والتنافس على القدر الأكبر من المغانم المادية، والتي اهدرت فيها مئات الملايين من الدولارات، اضافة إلى تفاقم الوضع المأساوي للشعب العراقي.

يقول احد المراقبين: التقيتُ مرجعيّات دينيّة وعلماء وفقهاء وأَساتذة جامعات وباحثين وسياسيين وكتاباً وقيادات حزبيّة ونوّاباً ووزراء ومحافظين وتجّاراً وطلّاب جامعات ومدارس ومدرّسين وحقوقيّين، نساء ورجالاً، كباراً وصغاراً، فلم أَجد حتى واحداً منهم يؤيّد التّسوية المزعومة، ولكلٍّ منهم وجهة نظر ومنطلق برفضهِ لها، الّا انّ القاسم المشترك الذي يجمع بين كل هذه الآراء هو قولهُم إن «الفاشلين لا يحققون تسوياتٍ تاريخية أَبداً!».

خلاف المتصالحين

وفي «المصالحات» السابقة، كان المتابعون للشأن العراقي يتساءلون «مَن يتصالح مع مَن؟»، ويتضح أنها مصالحة بين المتصالحين، للبحث عن خلافات جديدة، والآن، لا يزال عرّابو «التسوية التاريخية» لا يعرفون «التسوية بين مَن ومَن» ومن هي الأطراف المشمولة بها، ولماذا هي «تاريخية!»، متمنين الكف عن التضليل، وقول الحقيقة كما هي، وتقديم أي منجز أو عمل ينفع الشعب، من دون الطموح إلى مكاسب شخصية أو فئوية.

العجلة قبل الحصان

المفروض في كل الصراعات والنزاعات والخلافات والحروب، أن تبدأ التسويات قبل الشروع بالتوجه نحو الهدف، فــ«كل التكتيكات يجب أن تصب في الخط الإستراتيجي» وليس العكس، وهنا يجدر التساؤل: لماذا التسوية التاريخية بعد تنظيم داعش، وليس الآن، بتوحيد الصفوف ضد التنظيم ؟.

ويرى الأستاذ السابق في دراسات الشرق الأوسط في جامعة برانديز الأميركيّة البروفسور كنعان مكية، أن «الحديث عن المصالحة حديث عن الحياة وعن السعي إلى الحفاظ على القيم والمبادئ، ونحن جميعاً مع هذه المعاني النبيلة، وعليه لا يمكن لعاقل أن يقف ضد المصالحة الوطنية، أو التسوية التاريخية، وعليه ينبغي أن يُحرم منها كل من تورط في دم العراقيين، سواء من الذين هم داخل العملية السياسية أم خارجها، وكذلك يُستثنى منها زُعماء القتل والإرهاب العام.. أما أن يبرئ من هم داخل العملية السياسية أنفسهم فهذا تزييف وتزوير للواقع، لأن بعضهم متهم بدعم المليشيات، وبعضهم الآخر متهم بجرائم قتل وابتزاز، وغيرها، وتابع، المصالحة خطوة ضرورية ينبغي أن تُبنى على أرضية صلبة وليست هشة، فهل هذه الأرضية الصلبة حاضرة وجاهزة على أرض العراق التي تتقاذفها الحروب والمليشيات والجماعات الإرهابية!.