يبدو أن المبادرة الفرنسية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، آخذة في التوسع والانتشار وكسب مزيد من الأنصار، فقد غدت مبادرة رسمية وعملية، وقد تكون أفضل وأكثر حظاً من غيرها، بعد تناولها القضية من كل جوانبها، وتلمس الكثير من التفاصيل، وبناء على ذلك، يروج أصحابها للفكرة ويدافعون عنها، وبدأت عدة دول وحكومات تؤيدها وتساندها وتؤمن بجديتها، وترى فيها أسس العدالة والإنصاف، بما يرضي الطرفين معاً والعيش بسلام.

صراع

وتؤمن فرنسا، ومعها عدد كبير من دول أوروبا، أن انهيار حل الدولتين، الذي هو الحل الأمثل والأفضل للشعبين، يعني فتح الصراع على الحلبة الدولية لعقود طويلة مقبلة، وأن أوروبا وشعوبها سيكونون أكثر من يدفع ضريبة هذا النزاع، في حين أن الولايات المتحدة الأميركية، لا تنعكس عليها سلبياً هذه القضية، الذي تنعكس فيه على دول أوروبا.

توسع المبادرة

وأعلنت حكومات وبرلمانات بعد الاتحاد الأوروبي، تأييدها للمبادرة، واستعدادها لدعمها، ويبدو أنها ستتبناها رسمياً، وستخرجها من الرعاية الفرنسية الأحادية، لتدخل نطاق الرعاية الأوروبية الشاملة، والتي قد تنجح في ضم بريطانيا إليها، رغم الخلافات التي تعصف بها مع الاتحاد الأوروبي، ولكنها إزاء المبادرة الفرنسية، قد تقدم تنازلاً وتؤيدها، في ظل الحديث عن حوارات سرية تدور بكثرة خلف الكواليس الأوروبية، لضمان نجاح المبادرة، وعدم تسرب بعض بنودها الخاصة، التي قد تتسبب في فشلها، حسبما قال المحلل السياسي د. مصطفى اللداوي.

اشارات

وأوضح اللداوي: «تلقت فرنسا إشارات إيجابية عديدة من مصر والسعودية والأردن والمغرب، والتي قد يكون لها دور كبير في تمرير بعض بنود المبادرة، لكونها تتقاطع مع المبادرة العربية للسلام، بعد المشاركة في الاجتماع الأول، حيث انطلقت فيه مبادرتها بشكل رسمي، ويزيد في ارتياح فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، أن ردود الفعل الفلسطينية الأولية، قد بدت في مجملها إيجابية، ويرون أنها بوابة حقيقية لتجاوز أغلب العقبات الموجودة، كالقدس والمستوطنات والأمن والحدود والعلاقات الخارجية».

وأفاد اللداوي بأن الحكومة الإسرائيلية غير راضية عن المبادرة، وترى أنها لا تستجيب للمطالب اليهودية في «أرض إسرائيل»، وأنها ستؤدي في النهاية لقيام الدولة الفلسطينية في «يهودا والسامرة»، وهو ما يتنافى مع الثوابت السياسية، كما أنها تحابي الفلسطينيين وتؤيد مطالبهم، الأمر الذي يهدد وحدة مدينة القدس، التي يعتبرها اليهود عاصمتهم.

استنفار إسرائيلي

وأرسلت إسرائيل، رئيس الكيان الصهيوني رؤوفين ريفلين، المختلف مع رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، إلى بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي، والتقى بعدد من المسؤولين الأوروبيين لإقناعهم بوجهة النظر الإسرائيلية، الرافضة للمبادرة الفرنسية.

وأضاف المحلل السياسي:«جاء ذلك بعد قلق إسرائيل من جدية الاتحاد الأوروبي في تبني المبادرة الفرنسية ومباشرتها عملياً في طرحها، وقد سخرت دبلوماسييها العاملين في دول الاتحاد الأوروبي للضغط عليها قبل اجتماعها المرتقب، لتجري تعديلاً على البيان المتوقع صدوره في بروكسل، بحيث لا يتضمن وجود علاقة بين المبادرة الفرنسية وبين عرض الاتحاد الأوروبي للارتقاء بمستوى العلاقات مع إسرائيل مقابل التوصل لاتفاقية سلام مع الفلسطينيين، لخشيتها من الوقوع بموقفها الرافض للمبادرة ضمن دائرة العقوبات الأوربية، التي طوقت المستوطنين ومن الممكن أن يزيد الاتحاد الأوروبي من إجراءاته ضدهم للضغط عليهم».

واستطرد قائلاً: «تدرك إسرائيل أنها دخلت الحجر الأوروبي، وأنها قد تجد نفسها ضعيفة داخل المصيدة، وقد لا تقوى على الخروج والفكاك، حتى من الدعم الأميركي لها، فالاتحاد الأوروبي لن يكتفي بتأييد المبادرة الفرنسية، التي يرى أنها طوق النجاة بالنسبة لها، وأنها تخلصه من الضغوط الأخلاقية التي تلاحقه، وتقلل من أخطار موجات الهجرة واللجوء المتعاقبة في بلاده، وتحصنه من الإرهاب العارم، ولذلك، سيمضي قدماً، وقد لا يتراجع عنها مهما بلغت حجم الضغوط الإسرائيلية والأميركية عليه».

إضاءة

قال القنصل الفرنسي في القدس، ايرفيه ماجرو، قبل أيام خلال لقائه شخصيات فلسطينية، إن فرنسا تعتبر أن أمنها بات مرتبطاً بالقضية الفلسطينية، وأكد أن المنظمات المتطرفة في أوروبا، تعتمد في تجنيد الشبان على خطاب القضية الفلسطينية أكثر من أي شيء آخر، وكل الأعمال الإرهابية التي تقوم بها ضد دول أوروبا، تبررها بدعمها للاحتلال الإسرائيلي.