كما راجت التوقّعات في الأيام الأخيرة، عاد الزواج السياسي بين الحزبين الصهيونيين الأشد تطرفاً، «الليكود» و«إسرائيل بيتنا»، وجاء تعيين زعم «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان في منصب وزير الجيش ترجمة للائتلاف الجديد.
وكما العادة دائماً، مع كل انتخابات وتشكيل حكومة أو تعيين مسؤول جديد في إسرائيل، تكثر التحليلات والتوقّعات والخوض في جدل حول تداعيات هذه الانتخابات أو التعيين على ما تسمى عملية السلام أو استقرار المنطقة، ويروق للبعض أن يحذّر من فوز أحزاب أو زعامات ما يسمى «اليمين»، تحت شعار الخطر على «عملية» السلام..
وفي هذا المنطق ربط غير علمي بين سياسات إسرائيل وطبيعة الأحزاب والائتلافات التي تشكّل حكوماتها، علماً بأنّ التاريخ أثبت ويثبت على الدوام أن تصنيفات «يمين» و«يسار» لا تنطبق على الكيان الإسرائيلي حين يتعلق الأمر بالثوابت الصهيونية، لتثبت التجربة دائماً أن الخلف لا يخرج عن طريق السلف.
استعراض سيرة وزراء الحرب السابقين، قبل ليبرمان تحتاج مساحة واسعة ووقتاً طويلاً، لكن هذا لا يمنع من المرور على أبرز المحطات التي شغل فيها مسؤولون إسرائيليون من الحزب الذي يروق لمحلّلين كثيرين بإطلاق عليه وصف «اليسار»، ونعني حزب العمل، منصب وزير الحرب.
إسحاق رابين
عندما اندلعت حرب 1948، بعد مرور بضعة أشهر على صدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة وإنشاء إسرائيل كان إسحاق رابين، وهو أحد مؤسسي حزب العمل الذي يصنّفونه يسارياً، قائداً لسرية «هارئيل» التي قاتلت في منطقة القدس.
ويشير المؤرخ اليهودي إيلان بابي في كتابه التطهير العرقي لفلسطين بأن رابين هو أحد مهندسي ومخططي ومنفذي عملية ترحيل الفلسطينيين التي نفذتها الحركة الصهيونية في فلسطين. حزب العمل هذا هو مؤسس دولة الكيان وهو الذي نفّذ النكبة سنة 1948، وأحد قادته شمعون بيريز الذي جلب بناء مفاعل ديمونا النووي مطلع الخمسينيات..
وهو الذي أنشأ أول مستوطنة وأسّس من خلالها لسياسة الاستيطان، وهو الذي قاد عدوان الأيام الستة سنة 1967، والتي احتلت إسرائيل من خلالها الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان والشطر الشرقي من القدس قبل ضمّها رسمياً..
وكذلك سيناء وبعض الأراضي الأردن ولبنان. ليس بوسع أي مؤرّخ، ولو من باب المهنية، أن يتجاهل أن جسم الكيان، عظماً ولحماً، قد أنشئ على يد حزب العمل الذي يستبشر به بعض السياسيين والإعلاميين في كل جولة انتخابية، ولم يصل حزب الليكود إلى السلطة إلا عام 1977، وعندما خاض أولى حروبه الكبرى سنة 1982، كان شقيقه حزب العمل قد خاض حربي النكبة و«النكسة» وبينهما شارك في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.
تجارب طويلة
لقد خبر الفلسطينيون سياسة الحزبين الصهيونيين الكبيرين كلاً على حده، كما خبرهما مشتركين في حكومات ائتلاف، وظلّت السياسة الإسرائيلية على عدوانيتها، ولم يتغيّر شيء في سياسات الاستيطان والتهويد والقتل والاعتقال وكل صنوف القمع..
كما أنّ الخطوط العامة للمشروع الصهيوني لم تتزحزح قيد أنملة، وإذا ما بدا أن هناك اختلافاً فإن لم يخرج عن الإطار التكتيكي المتمثّل بالعلاقة بين الهدف الاستراتيجي المتفق عليه والقدرة الراهنة على ترجمته أو المجاهرة به. ففي عام 1984، وفي ظل التعادل في نتائج الانتخابات بين الكتلتين البرلمانيّتين، «اضطر» كلا الحزبين لتشكيل «حكومة وحدة»..
وانضم رابين لتلك الحكومة التي ترأسها زميله في حزب العمل شمعون بيريز وزعيم الليكود في حينه إسحاق شامير بالتناوب سنتين لكل منهما، وتولى رابين وزارة الجيش. في عهد تلك الحكومة اندلعت الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية في سبتمبر 1987، ومنذ اللحظة الأولى أصدر رابين التعليمات لقواته بتكسير عظام المتظاهرين الفلسطينيين، حتى التصقت صفة «تكسير العظام» باسم رابين.
حتى في النظر إلى حزب العمل نفسه، يميل بعض السياسيين إلى التمييز بين بيريز ورابين ويصفون الأول بالحمائمية والثاني بالصقرية. بيريز الذي لا يزال حيّاً ويمارس السياسة كان ضابطاً في جهاز المخابرات الخارجية «الموساد» في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وعمل كدبلوماسي في وزارة الجيش وكانت مهمّته جمع السلاح. وأصبح المدير العام للوزارة في 1953..
حيث نجح في الحصول على المقاتلة «ميراج 3»، وبناء المفاعل النووي (ديمونة) من الحكومة الفرنسية. كذلك نظم بيرس التعاون العسكري مع فرنسا الذي أدى إلى الهجوم على مصر في أكتوبر 1956 ضمن العدوان الثلاثي.
فروقات وهمية
وفي مفارقة تغيب عن بال المراهنين على فروقات وهمية، فإن رئيس الوزراء ووزير الجيش الأسبق إيهود باراك هو الضابط الأكثر حصولاً على الأوسمة في تاريخ الكيان، ومن الطبيعي أن تكون تلك الأوسمة والنياشين نتاج مشاركاته العسكرية وجرائم الاغتيال التي شارك شخصياً في تنفيذها..
وأشهرها عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار في بيروت عام 1976، أما صورته الشهيرة التي ظهر فيها وهو يتعامل مع جثّة الشهيدة دلال المغربي كـ «ذبيخة»، فقد استخدمها في دعايته الانتخابية للمنافسة على انتخابه رئاسة الحكومة أواخر التسعينيات.
وقبل إسدال الستار على تجربة الفلسطينيين مع سياسة حزب العمل، لا بد من التذكير أنّ أحد قادة الحزب وهو عمير بيرتس صاحب الخلفية «النقابية» شن حربين مدمرتين على قطاع غزة ولبنان خلال سنة واحدة قضاها في المنصب.
على أية حال، احتكام المؤسسة السياسية والأمنية والعسكرية الإسرائيلية للأيديولوجية والأهداف الاستراتيجية لا يلغي احتمالات التباين في الممارسة في خضم عملية صراع طويلة ومفتوحة، وهذا التباين ليس فقط مرده التباينات في البرامج الحزبية المتحركة تحت مظلّة الأيديولوجيا، إنما كذلك لكفاءات القيادات والمسؤولين. فإذا كانت بعض القيادات تتحدث كثيراً عن السلام، في حين يجاهر ليبرمان بعدائه للهرب وللسلام معه..
إلا أنّ إجماعاً لا يزال ثابتاً أدى إلى تحويل عملية السلام إلى عملية تدور في حلقة مفرّغة بلا نتائج. ولربما يضاف إلى عبثية هذه العملية توجّه من ليبرمان لترك بصمة تتلاءم مع البزّة العسكرية التي لم يعتد عليها، فيتصرّف مثل شمعون بيريز المتّهم إسرائيلياً بأنه ليس عسكرياً، ولكي يثبت العكس أمر بارتكاب مجزرة قانا في لبنان.
إحباط
استقبل الفلسطينيّون انضمام زعيم حزب إسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان في 25 مايو 2016، إلى حكومة بنيامين نتانياهو بحالة من الإحباط واليأس من أي انفراج الجمود السياسيّ بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، وتصاعد التوقّعات بتوسيع التصعيد العسكريّ والعدوان على قطاع غزّة. ويرى قادة فلسطينيّون أنّ أهمّ خطوة لمواجهة هذا الائتلاف الجديد هو وقف التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، وتحقيق الوحدة الفلسطينيّة.