يعتبر الدبلوماسي الأميركي السابق البرتو فرنانديز أن قرار البيت الأبيض إرسال فرق أميركية خاصة إلى سوريا في إطار المواجهة مع تنظيم داعش هو خطوة تكتيكية لا تتعارض مع الاستراتيجية التي تعتمدها إدارة الرئيس باراك أوباما منذ اندلاع الثورة السورية.
فرنانديز الذي يعمل حالياً كباحث في مكافحة الإرهاب، وعاش في سوريا على مدى ثلاث سنوات، ينفي نظرية المؤامرة التي تقول إن تنظيم داعش صنيعة أميركا، إلا أنه يشير إلى «علاقة شيطانية» تربط التنظيم مع بشار الأسد والقيادة في طهران.
الدبلوماسي الأميركي، الذي يتحدث العربية بطلاقة، وعمل سفيراً للولايات المتحدة في السودان، وخدم لسنوات طويلة في عدد من السفارات الأميركية في المنطقة، أشار في حديث مع «البيان» إلى أن أول منصب عمل به في السلك الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الأميركية كان في السفارة الأميركية في أبوظبي، وأن أول جريدة زارها خلال عمله الدبلوماسي كانت صحيفة «البيان» في دبي قبل نحو 33 سنة تقريباً؛ وذلك ضمن وفد من السفارة الأميركية.
وفي ما يلي تفاصيل حوار «البيان» مع فرنانديز، الذي تركّز على سبر أغوار الاستراتيجية الأميركية ضد بشّار الأسد:
• نبدأ بقرار البيت الأبيض الأخير إرسال وحدات عسكرية خاصة إلى سوريا في إطار المواجهة مع تنظيم داعش، وهو القرار الذي رأى فيه البعض تغييراً في الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا؟
الخطوة الأميركية الجديدة لا تشكل تغييراً جوهرياً في استراتيجية إدارة أوباما تجاه الأزمة في سوريا والعراق. وقرار إرسال وحدات أميركية لتنفيذ عمليات خاصة على الأرض في سوريا يبقى إجراءً تكتيكياً في الاستراتيجية القائمة على التردد والانسحاب والاستخفاف.
فهذه الإدارة لا تعتبر أن الحرب في سوريا هي حرب أميركا، وهي تفضل تدخل روسيا وإيران والسعودية لإيجاد حل سياسي للأزمة. هذه الاستراتيجية ستبقى قائمة حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة فأوباما لا يريد التورط في أي حرب؛ فقد جاء إلى الرئاسة تحت شعار إنهاء الحروب الأميركية.
وللأسف، فإن تنظيم داعش هو المستفيد الأول من سياسة الانسحاب الأميركي من حروب المنطقة، لأن هذه السياسة ساعدته على توطيد العلاقة الشيطانية مع نظام بشار الأسد ومع النظام في إيران. كل طرف يستفيد من الآخر.
«داعش» يريد أن يقدم نفسه أنه يقف أمام الزحف الإيراني إلى سوريا والعراق واليمن والخليج، وإيران تواصل تنفيذ خططها تحت ستار محاربة «التكفيريين»، بينما يسعى الأسد لتقديم نفسه للغرب على أنه البديل عن المجموعات الإرهابية. بهذا المعنى فان تنظيم داعش هو رد على طموحات إيران في المنطقة، وعلى تردد الإدارة الأميركية وترك دورها في ترتيب أمور المنطقة لإيران.
البداية العراقية
• إلى أي مدى تربط بين تمدد تنظيم داعش وبين السياسة الأميركية المترددة التي أشرت إليها. البعض يرى أن التنظيم هو نتيجة للاجتياح الأميركي للعراق؟
تنظيم داعش هو الابن غير الشرعي لعدد كبير من المشكلات والأخطاء. يعود تشكيله بالدرجة الأولى إلى أبو مصعب الزرقاوي الذي بدأ نشاطه في العراق بالتسعينيات من خلال جماعة التوحيد والجهاد. وكانت منظمة إرهابية مستقلة عن القاعدة.
طبعاً استفادت خلايا الزرقاوي، التي أصبحت تنظيم داعش اليوم، من التدخل الأميركي في العراق وحل الجيش العراقي الذي خلق فراغاً أمنياً وسياسياً. وبدأت هذه الخلايا تعمل تحت اسم «القاعدة في بلاد الرافدين».
في العام 2006 اصطدمت محاولات تأسيس ما تسمى بـ«دولة الخلافة» على يد أبو بكر البغدادي وأبو أيوب المصري بالمواجهة مع الصحوات. بهذا المعنى، تنظيم داعش هو نتاج محلي عراقي اشتد عوده مع خروج الأميركيين من العراق وبفضل الممارسات الطائفية لحكومة المالكي.
وفي عامي 2013 و2014 استفادت دعاية تنظيم داعش من المجازر التي ارتكبت بحق المسلمين السنة في سوريا، ونجحت عبر «السوشيال ميديا» في تجنيد آلاف المقاتلين المسلمين من الدول العربية والأوروبية واستقدمتهم إلى بلاد الشام. أنا أنظر إلى ولادة تنظيم داعش على أنها اجتماع ثلاثة عناصر أساسية: سوريا، العراق و«السوشيال ميديا».
فروقات واختلافات
• ألا تعتقد أن تنظيم داعش هو أيضاً الابن غير الشرعي لتنظيم القاعدة؟
ما يميز «داعش» عن «القاعدة» أنه مشروع عربي 100 في المئة.
هو مشروع محلي. والخلاف بين التنظيمين كالخلاف بين ستالين وتروتسكي خلال الثورة الشيوعية في روسيا. تروتسكي كان مع الثورة في كل العالم، بينما تبنى ستالين نظرية بناء الاشتراكية أولاً في دولة واحدة.
و«جهاز التمكين» و«المنهج الصحيح» حسب الخطاب الأيديولوجي لتنظيم داعش. بن لادن والظواهري كانا مع فكرة الثورة في كل مكان، بيــــنما يركز البغدادي على بناء كيان عربي إسلامي في الشرق الأوسط.
أيديولوجية تنظيم داعش ليست أيديولوجية غربية، بل هي الأيديولوجية السلفية المتشددة المعروفة منذ القدم. الفكرة الأساسية ذات صبغة محلية وليست غربية، ولكن الغرب شكل الملاذ الآمن للكثير من المتطرفين بفضل الحريات التي ينعم بها. من هؤلاء المتطرفين الشيخ عمر عبد الرحمن في الولايات المتحدة وهاني السباعي وأبو قتادة وغيرهم الكثيرين.
واليوم يستفيد تنظيم داعش مما توفره «السوشيال ميديا» والفضاء الإلكتروني الحر. فالمتطرفون ينشطون عادة حيث تغيب الحكومة والسلطة والقانون. بالإضافة إلى العراق وسوريا نراهم في وزيرستان وفي الصومال وليبيا وشمال مالي، وفي أي مكان تغيب عنه السلطة مركزية. المعادلة نفسها تصح في الفضاء الإلكتروني الخارج عن الرقابة الحكومية الذي يؤمن ملاذاً آمناً لكل أشكال التطرف.
المعركة الإلكترونية
• قدمت قبل أيام في مركز بروكينغز في واشنطن ورقة عمل عن مواجهة تنظيم داعش في «السوشيال ميديا» كيف تنظر إلى المعركة الإلكترونية مع التنظيم؟
الإنجاز الدعائي الكبير لتنظيم داعش يتمثل في تضييق الفجوة بين رسائل «السوشيال ميديا» والواقع على الأرض.
البغدادي لم يعلن نفسه خليفة عندما سيطر تنظـــيم داعش على الرقة والفلوجة، بل عند سقوط الموصل وجزء كبير من شمال العراق.. وذلك لإيجاد معادل واقعي ملموس لشعار «باقية وتتمدد».
الواضح من خلال خطاب تنظيم داعش أنه يشكل خطراً على كل الحكومات في المنطقة. وفي الأماكن التي لا وجود للتنظيم فيها فإن خطره قد لا يكون مباشراً، لكنه يشكل تهديداً عقائدياً. ألفت هنا إلى أن جنسيات الشخصيات المهمة في التنظيم تعكس مستوى وقائمة الدول التي يهددها «داعش».
لذلك فإن على كل الحكومات بذل مزيد من الجهود من أجل مكافحة دعاية تنظيم داعش على «السوشيال ميديا» وأرى فائدة كبيرة في تعميم تجربة مركز «صواب» الذي افتتح قبل أشهر في أبوظبي ويمثل خطوة في الاتجاه الصحيح يجب العمل على تعزيزها من قبل كل حكومات المنطقة، كما أدعوا القطاع الخاص إلى القيام بمبادرات مشابهة.
مضمون الرسائل
أما على صعيد مضمون رسائل الدعاية، فأعتقد أنه من المهم الاستفادة من شهادات شخصية لسوريين وعراقيين من المسلمين السنة عايشوا تجربة تنظيم داعش على الأرض لأن التنظيم يزعم أنه يدافع عن أهل السنة ضد الشيعة واليهود والصليبيين. لكن ما الذي حصل في سوريا مثلاً، حيث ذبح ألف شخص من قبيلة الشيطات، وهي قبيلة عربية ينتمي أفرادها إلى أهل السنة.
إذا أردنا محاربة دعاية تنظيم داعش علينا الاقتراب من أصدقاء وأقرباء هؤلاء الضحايا. هم نفس الناس الذين يقول تنظيم داعش إنه يدافع عنهم.
شهادة هؤلاء ستكون قوية جداً وفعّالة في الحملة ضد دعاية التنظيم. نفس الشيء في العراق، حيث قتل تنظيم داعش أكثر من 300 من أئمة المساجد السنية في الأنبار. أين قصة هؤلاء الناس؟ أين شهادة أقاربهم وعوائلهم؟ كذلك يمكن التركيز على ما تعرضت له قبيلة البونمر في العراق. هذه الشهادات الشخصية لها قيمة قوة وفاعلية. هناك حاجة إلى نشاط أكبر من دول الخليج في هذا الموضوع. و«صواب» خطوة إيجابية في هذا السياق.
