غياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن المشهد لم يعد مسألة افتراضية، وأصبح تسليمه زمام القيادة لزعيم جديد يأمل الفلسطينيون أن يقودهم إلى تأسيس دولة مستقلة مسألة وقت فقط.

الرئيس محمود عباس (أبومازن) الذي يشغل ثلاثة مناصب، وهي مواقع متداخلة ومتشابكة، فهو رئيس الجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس حركة فتح وقائدها العام، طرح هو بنفسه موضوع غيابه عن الأحداث الفلسطينية في مناسبات عدة، حيث أعلن أكثر من مرة أنه لن يرشح نفسه في الانتخابات المقبلة، فضلاً عن تهديداته المستمرة بالاستقالة، تعبيراً عن يأسه من توقف المفاوضات التي لا بديل عنها من وجهة نظره، وانسداد أفق الحل السياسي، ناهيك عن دخوله الثمانينات من عمره.

السياسة ذاتها

عباس الذي تحدث كثيراً أيام الراحل ياسر عرفات عن الديمقراطية ودولة المؤسسات والذي اجبر (أبو عمّار) تحت ضغوط دولية على استحداث منصب رئيس الوزراء، يبدو واضحاً أنه اعتمد سياسة سلفة ذاتها، حيث إنه لم يختر خليفة له، ولم يبد أي ميل لذلك طيلة السنوات الماضية، ولم تظهر أي شخصية كخليفة طبيعي له، إلا أنه ومنذ فترة قصيرة جداً، حاول أن يبدو كذلك عندما أبعد ياسر عبدربّه الذي يعدّ أحد الأصوات الانتقادية داخل المنظمة، من المنصب الأهم وهو أمين سر منظمة التحرير، ومنحه إلى د. صائب عريقات المقرّب منه، من أجل إعداده ليكون خليفته، حسب رأي عدد من المراقبين.

كما أنه وفي الوقت نفسه عمل على تحييد بعض المنافسين المحتملين على مر السنين، ومنهم د. سلام فياض رئيس وزرائه السابق، الذي يبدو أنه تعدى حدوده عندما ذكر في إحدى مقابلاته الصحافية أنه قد يجرب السعي للرئاسة في يوم من الأيام. بالإضافة إلى محمد دحلان القيادي في حركة فتح، صاحب النفوذ الكبير في الأوساط الفلسطينية على الأرض، رغم محاولات عباس إقصاءه من الساحة الفلسطينية عبر وسائل عدة.

تهيئة شخصية

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني هاني المصري إن «عباس لم يهيئ الأمر لخليفته، ولكنّه استهدف عدداً من الشخصيّات الّتي قد تخلفه. وأخيراً، ظهر مؤشّر يوحي بحدوث تغيير لدى الرّئيس بتعيين د. صائب عريقات، بدلاً من ياسر عبد ربّه، وهذا يزيد من أسهم عريقات لخلافة أبو مازن في المنظّمة، إذا لم يكن في السلطة».

وفي الجلسة نفسها التي تم تعين عريقات فيها رسمياً بالمنصب الجديد، قدم عباس استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بصفته رئيساً لها، إضافة إلى تسعة آخرين من أعضائها، في جلسة اتسمت بالخلاف حول هذه الاستقالات، والتي جاءت بشكل تكتيكي لإرغام المجلس الوطني الفلسطيني على الانعقاد بشكل قانوني، وتشكيل لجنة تنفيذية جديدة، وفقاً لرأي أكثر من مسؤول فلسطيني.

قلق ومخاوف

ويبقى ملف خليفة عباس شائكاً لأسباب كثيرة، أبرزها غياب آليّة لاستحداث منصب نائب للرّئيس، وعدم قدرة رئيس المجلس التشريعيّ الفلسطيني عزيز دويك على شغل كرسيّ الرئاسة، كما حدث بعد وفاة الرّئيس أبو عمّار لأنّ المجلس معطّل، ما يثير مخاوف من عودة الفلتان الأمنيّ أو حدوث فوضى أو فراغ في حال شغور منصب الرئيس في ظلّ كثرة الراغبين في هذا المنصب.

ويقول عماد عبدالحميد الفالوجي في مقال نشرته مواقع فلسطينية عدة إن طرح موضوع خليفة عباس اليوم يتم بأشكال مختلفة، وإن الكل يشعر بالقلق حول الموضوع بسبب رئيسي وهو «غياب المؤسسة التشريعية وحالة الانقسام الحاد بين جناحي السلطة غزة ورام الله، فلا يوجد رئيس للمجلس التشريعي ولا اتفاق على إجراء الانتخابات».

ورغم كثرة الأسماء المتداولة لخلافة عباس إلا أن الموضوع يجب ألا يكون سوى عبر صندوق الانتخابات ليختار الشعب من سيكون رئيسه المقبل.

إضاءة

تولى الرئيس الفلسطيني محمود عباس القيادة بعد أن توفي الزعيم الفلسطيني عرفات في باريس العام 2004 الذي قاد منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1969. وحاول محمود عباس منذ اكثر من 11 عاماً التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، ولكن دون جدوى، ليبقى 4.4 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقرابة سبعة ملايين آخرين في مختلف أنحاء العالم، دون دولة مستقلة كاملة السيادة.