مشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

أخيراً صدق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو – وهو المعتاد على الكذب كما قال الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي – حين جاهر ونزع البرقع عن وجهه، وقدم نفسه على حقيقته بأنه ضد الدولة الفلسطينية، وأنه ينظر إلى فلسطينيي إسرائيل بصورة دونية، ويعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية.

موقف ونظرة لم يفارقان حياة نتانياهو السياسية. لم يأتِ عملياً بجديد عندما تعهّد بمنع قيام دولة فلسطينية لو فاز في الانتخابات، فهذا ما فعله كما أسلافه، طوال سنوات حكمه، تمكّن بمهنية مخادعة، ومكّنوه من حجب واقعه ومن تحقيق غايته، الآن قالها على المكشوف، وبذلك يكون قد أعلن صراحة وبدون تمويه، قيام نظام الأبارتهايد المبني على التمييز والاستئثار والمصادرة، ولذا جرى التوقف عنده بقلق، نظراً إلى تداعياته وعواقبه اللاحقة، وهنا تكمن خطورة ما أفصح عنه.

لكن بالرغم من ذلك، لاقى نتانياهو في واشنطن من يمنحه الأسباب التخفيفية، بزعم أن ما صدر عنه جاء في سياق خطاب انتخابي موجه إلى شريحة معينة لا تستهويها إلا وعود من هذا النوع لكسب أصواتها. كثير من الفذلكات قدمته بهذه الصورة.

الخارجية رأت أن ما قاله يندرج في خانة «البلاغة الكلامية» فقط. هي تعرف أنه أكثر من ذلك بكثير. وبرغم انزعاجها المزمن من نتانياهو، امتنعت عن التعليق المناسب.

اكتفت بالتذكير بأن الإدارة لا تزال متمسكة بحل الدولتين. ربما نسيت أنه سبق لها أن تمسكت بهذا الخيار، لكنها سمحت لنتانياهو بإفشالها. التراخي معه حمله على التمادي في «الاستئساد» الذي شجّعه على تحدّيها في عقر دارها ليعطيها درساً في السياسة الخارجية.

خطابه أمام الكونغرس لامس تخوم الإهانة، بصرف النظر عن مدى صوابية سياسة الإدارة إزاء النووي الإيراني.

وما أثار حفيظة أوساط أميركية غير قليلة ووازنة، أن نتانياهو أقدم على ذلك بتواطؤ مكشوف مع الجمهوريين في الكونغرس الذين انصبت عليهم نقمة عارمة، لكنهم أعطوا، وما زالوا، رئيس الوزراء الإسرائيلي شيكاً على بياض لمناكفة البيت الأبيض.

وعندما يستقوي رئيس حزي ليكود بهم إلى هذا الحد وهم في موقع الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، عندئذٍ يذهب في الاستفزاز إلى ما ذهب إليه في شطبه لحل الدولتين.

تأزم

التوقعات الآن أن العلاقات بين نتانياهو والبيت الأبيض قادمة على المزيد من التأزم، سواء عاد الأول إلى رئاسة الحكومة بالشراكة أو بالائتلاف. مشروعه الناسف لعملية السلام معطوفاً على الخلفية المأزومة بين الجانبين يؤشر إلى حالة من الانسداد.

ثمة من لا يستبعد بل يرجح أن يتراجع نتانياهو عن مواقفه بعد الانتخابات، في محاولة لإعادة بناء الجسور مع الرئيس الأميركي باراك أوباما الباقي في البيت الأبيض أكثر من سنة ونصف، إذ لا بدّ من تجديد التواصل وطي الصفحة، حيث لا يستقيم قيام قطيعة بين الحليفين، أو لأن نتانياهو لا يقوى على تحمّل مثل هذه القطيعة.

خاصة أن القوى اليهودية الأميركية المحسوبة على خندق الحزب الديمقراطي التي أبدت الكثير من الضيق من خطاب نتانياهو في الكونغرس، ستتحرك بقوة لرأب الصدع، ولو في الشكل.

خشية هذه الجهات أن استمرار التوتر بين واشنطن وتل أبيب من شأنه أن يزيد من عزلة إسرائيل الدولية، كذلك من شأنه أن يعطي شحنة زخم لموجة اعتراف البرلمانات الأوروبية بالدولة الفلسطينية.

 الأهم بل الأخطر في حسابات هذه الدوائر أن يؤدي استمرار التباعد إلى تراجع أو تراخي الحماية الدبلوماسية التي طالما وفرتها واشنطن لإسرائيل في الأمم المتحدة، خاصة أن التأزم بلغ درجة انقطعت تقريباً معها الشعرة السياسية بين الطرفين، وبما قد يؤثر لاحقاً إذا تغيرت المعادلات، في الجانبين المهمين في العلاقات، العسكري والاستخباراتي اللذين ما زالا على أفضل ما يكون.