في حكم المؤكّد باتت مشاركة حركة النهضة في التشكيل الحكومي الجدي في تونس من خلال كفاءات قريبة منها وغير منتمية إلى قياداتها.
وعلى الرغم من الخلافات التي شهدتها حركة «نداء تونس» صاحبة الأغلبية في مجلس النواب بين جناح رافض وآخر موافق على إشراك النهضة في الحكومة، فإنّ الرأي الأخير كان للرئيس الباجي قائد السبسي الذي لا يزال يحافظ على الكلمة الفصل في الحزب برغم استقالته من رئاسته، والذي كان مع فكرة توفير ضمانات أكثر للحكومة المقبلة لتمارس أعمالها في ظروف جيدة، لا سيّما في ظل الأوضاع المتردية اقتصادياً واجتماعياً، وأمام جملة من التحدّيات التي تواجه السلطات الجديدة مع بدايات عهد الجمهورية الثانية.
ويدرك السبسي أنّ «النهضة» تمتلك 69 مقعداً في البرلمان وبعض التحالفات النيابية القادرة على تحقيق الثلث المعطّل للقرارات الكبرى، ما سيجعل الحكومة المقبلة في موقف صعب، كما يعلم جيداً أنّ هناك ضغوطاً خارجية تصب في دائرة إشراك الإسلاميين في الحكم ولو رمزياً، من أجل احتوائهم والحيلولة دون تحوّلهم إلى قوة جذب إلى الخلف قد تتجه إلى التحالف مع قوى أخرى داخل المجتمع، لا تزال تحمل تعريفاً راديكالياً للثورة والحكم والعمل السياسي.
خارج المعارضة
وبعد نجاح حركة «نداء تونس» في انتخابات البرلماني ثم الانتخابات الرئاسية، ارتفعت بعض الأصوات التي تعبّر عن خشيتها من تغوّل الحركة، لا سيّما بعد وصول زعيمها الباجي قائد السبسي إلى قصر قرطاج، ونائبه الأول محمد الناصر إلى رئاسة البرلمان، ولعدم ترك أي مبرّر للخوف قرّر السبسي أن يكون رئيس الحكومة مستقلاً، ولكنه قريب منه بما يعطيه فرصة التواصل الإيجابي معه، فوقع الاختيار على الحبيب الصيد الذي عمل وزيراً للداخلية في حكومة قائد السبسي الانتقالية من مارس إلى ديسمبر 2011.
تجنّب تجاذبات
وبسرعة قياسية، وافقت «النهضة» على رئيس الحكومة المكلّف الذي عرفته من خلال عمله مستشاراً للأمن الوطني في ديوان رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، كما تلقّت بالقبول إشارة إشراكها في الحكومة مقابل انسحابها من المعارضة وتحوّلها إلى قوة دعم للحكومة الجديدة.
ووفق مراقبين، إنّ حركة النهضة التي جرّبت الحكم وعرفت ملذّات السلطة، وتحوّل عدد كبير من قياداتها من السجون والمنافي إلى دنيا البذخ والمال والأعمال والاستقرار، لم تعد مندفعة نحو المزيد من التجاذبات، لا سيّما في ظل واقع إقليمي ودولي معاكس لرغباتها وطموحاتها السابقة التي كانت مرتبطة بحركة قوى الإسلام السياسي في المنطقة، كما أنّ مشاركة الحركة في الحكومة ستعطيها فرصة تلافي فتح الملفات المتعلّقة بمرحلة «حكم الترويكا» التي تطالب قوى سياسية واجتماعية بفتحها.
حقائب وتوجّهات
وفيما من المنتظر تكليف شخصيات مستقلّة تختارها حركة النهضة لحقائب ذات بعد اجتماعي كالصحة والشؤون الاجتماعية، ستحافظ حركة «نداء تونس» على مقود الحكومة من خلال وزارات السيادة، لاسيّما أنّ التسريبات تشير إلى أن وزارة الخارجية ستؤول إلى سكرتيرها العام الطيب البكوش المعروف بعدائه لظاهرة الإسلام السياسي، ووزارة الداخلية إلى رفيق الشلي مدير الأمن الرئاسي في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ووزارة الدفاع إلى القيادي في نداء تونس الأزهر القروي، مع نقل وزير الدفاع الحالي غازي الجريبي «مستقل» إلى وزارة العدل.
وهن معارضة
يلفت مراقبون إلى أنّ «المشهد ووفق المعطيات الراهنة سيصنع تحالفاً برلمانياً بين «نداء تونس» و«النهضة» والاتحاد الوطني الحر و«آفاق تونس» وبعض الكيانات الأخرى الصغيرة، ما سييسّر تمرير كل القرارات والقوانين الجديدة والبرامج الحكومية، مشيرين إلى أنّ «الجبهة الشعبية مع بعض الأحزاب الصغيرة التي لا تتفق معها، كالمؤتمر من أجل الجمهورية والتيار الديمقراطي، سيجدون أنفسهم في موقع معارضة ضعيفة غير فاعلة».