لم يكن أحد من مراقبي الشأن التونسي من يتوقّع ـ وإلى وقت قريب ـ أن تعرف حركة النهضة اضطراباً في داخلها يهدد بتصدّع جبهتها التي تميزت بمتانتها العقائدية والتنظيمية، غير أنّ مستجدات الواقع السياسي في البلاد.
لاسيّما بعد نتائج الانتخابات البرلمانية التي أطاحت الحركة من صدارة الحكم، ثم بعد نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية التي أعطت أسبقية الأمل في الوصول إلى كرسي الرئاسة إلى الباجي قائد السبسي زعيم حركة «نداء تونس» ذات الأغلبية في مجلس نواب الشعب، ومع اقتراب موعد الجولة الثانية، زادت الضغط السياسي على حركة النهضة.
لاسيما من داخل قياداتها التي لا تخفي ذعرها من انهيار مشروع الإسلام السياسي في تونس لفائدة قوى أخرى تختلف معها جوهرياً في المواقف والرؤى؛ سواء في ما يتعلّق بالدولة أو المجتمع أو العلاقات الخارجية أو علاقة الدين بالحياة السياسية.
قاعدة أنصار
ويجد راشد الغنوشي زعيم الحركة نفسه في مواجهة قاعدة أنصار تندفع بكل قواها لدعم المرشّح المنصف المرزوقي في جولة الإعادة بعد أن منحته أصواتها خلال الجولة الأولى ومكّنته من الحصول إلى المركز الثاني بعد السبسي، وفي الوقت ذاته يحاول الغنوشي.
ألّا يسقط في قطيعة تامة مع حركة «نداء تونس» وهو الراغب في أن يكون شريكاً لها في الحكومة المقبلة، كما يخشى أن يعلن عن دعمه الكامل للمرزوقي ثم تأتي النتائج بفوز السبسي المدعوم من قبل القوى المدنية والديمقراطية اليسارية منها والليبيرالية، ولا يستطيع الإعلان عن دعمه لقائد السبسي في الوقت الذي يتجه فيه أغلب قادة وأنصار النهضة لمساندة المرزوقي.
موقف صعب
يحاول الغنوشي اعتماد مواقف براغماتية في قراءة وتحليل المشهد التونسي الحالي والتعامل مع حيثياته انطلاقاً من ضرورة الوعي بتطورات الوضعين الداخلي والخارجي، وينطلق في ذلك إلى الدفع نحو التقارب مع حركة «نداء تونس» بدل التصادم معها وإجبارها على التحالف مع قوى اليسار التي يعتبرها استئصالية وذات خطورة على قوى الإسلام السياسي مع النظام السابق.
تهديدات استقالة
إلّا أنّ دعوات الغنوشي إلى التقارب مع «نداء تونس» قوبلت بردود فعلية سلبية داخل مجلس شورى حركة النهضة، وصلت إلى تهديدات بالاستقالة والانسحاب من قبل بعض القياديين، خاصة المتشددين منهم.
وردّ القيادي الحبيب اللوز على دعوات الغنوشي بالقول، إنّ «كل التصريحات التي ظهرت في الأيام الأخيرة زاعمة أنّها تعبّر عن موقف الحركة والتي أعلنت عن مد اليد إلى «نداء تونس» وعن الاستعداد للتحالف أو التشارك معه هي تصريحات متجاوزة، أياً كان مصدرها.
وتمثّل مسلكاً غريباً عن الحركة وخياراتها الاستراتيجية طوال تاريخها»، مضيفاً: «لهذا فإنني أعتبر أن هذا الدفع المتكرّر نحو «حزب نداء تونس» من طرف البعض يمثّل خطراً على مناخات الشورى داخل الحركة، وبالتالي على وحدتها وتماسكها.
لذا فإني أهيب برئيس الحركة راشد الغنوشي أن يتحمّل مسؤوليته كاملة لوقف هذه التجاوزات، والإحاطة الجادة بالموقف عبر الدفع من موقعه إلى الانضباط التام لمؤسسة القرار الأولى وعبر منع كل أشكال التكريس والتفلّت من أجل ضمان وحدة الحركة قيادة ومناضلين وأنصاراً وبما يضمن استمرار مناخات الانسجام والحكمة والحلم والرشد».
تمرّد صقور
ويرى المراقبون أنّ «جناح الصقور في حركة النهضة يراهن على المنصف المرزوقي، ويدعمه بكل قوة ليضمن بقاءه في قصر قرطاج لأسباب عدة؛ لعل أبرزها أنّ المرزوقي يمكنه حل البرلمان خلال مدة وجيزة بما يخلط الأوراق ويدفع بالبلاد إلى انتخابات جديدة تحاول الحركة فيها تلافي خسارتها في انتخابات أكتوبر الماضي.
كما أنّ المرزوقي يلتقي مع الحركة في عدد من المواقف، وخاصة ذات الصلة بدعم الحركات الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وفي التحالفات الإقليمية والدولية، نظراً لأن تحديد السياسيات الخارجية يبقى من خصوصيات رئيس الدولة حسب الدستور التونسي الجديد، ولا يخفي الإسلاميون خوفهم من فتح ملفات مرحلة «حكم الترويكا» بما قد يجعل بعضهم عرضة للملاحقة القضائية.
لذلك يسعون إلى الإبقاء على المرزوقي في سدة الحكم وائتمانه على مصير الملفات التي يخشون فتحها، غير أنّهم يحاولون التغطية على كل ذلك بالحديث عن خوفهم من عودة ما يسمونها «منظومة الاستبداد»، وبأن دعمهم للمرزوقي إنما يأتي للحفاظ على الحرّيات وتحقيق أهداف الثورة.
إصلاح وديمقراطية
وأشار حمادي الجبالي الأمين العام السابق لحركة النهضة الذي أعلن انسحابه النهائي من الحركة إلى ذلك بقوله إنّ قرار انسحابه من حركة النهضة لا يتعلّق فقط بموقفها من الانتخابات، وإنما في علاقة بالإصلاح وبناء الدولة الديمقراطية، واعتبر التزام حركة النهضة بالحياد في الانتخابات الرئاسية موقف في حدّ ذاته.
وأشار إلى أنّ الحياد في هذه الحالة لا يمكن أن يضمن التوازن في البلاد، مؤكداً أنّ القضية ليست قضية أسماء، بل قضية توازن في مرحلة حساسة من الانتقال الديمقراطي، منبّهاً من خطورة هيمنة طرف واحد على الحياة السياسية في تجربة وصفها بـ «الهشة».
خيار الحق
طالب الصادق شوررو، أحد رموز جناح الصقور في الحركة، قواعد النهضة بالالتزام بدعم منصف المرزوقي باعتباره «خيار الحق»، كما دعا الشعب التونسي إلى إعطاء أصواته للمرزوقي.
وقال مخاطباً التونسيين: «أعطوا صوتكم إلى مرشّح خيار الحرية والكرامة»، محذّراً من أنّ فوز منافس المرزوقي سيقود البلاد بعد أجل لن يتجاوز عاماً إلى وضع لن يختلف كثيراً عن الوضع الذي عاشته البلاد في حقبة ما قبل الثورة، بكل مآسيه وآلامه وأحزانه وفساده وظلمه وظلماته، وتابع في هذا السياق بأنّ منافس المرزوقي يمثّل من كانوا الفاعلين الرئيسيين والضالعين إلى الأذقان في مشروع الدكتاتورية الفاحشة الذي أطاحت به ثورة الشعب العارمة.
مقتل 5 إرهابيين وضبط 4 في القصرين
أسفرت اشتباكات بين عناصر من الجيش التونسي وجماعات إرهابية مسلّحة في ساعة متأخرة من ليل الجمعة - السبت، واستمرّت حتى ظهر أمس عن مقتل 5 مسلحين وإلقاء القبض على 4 آخرين في جبل السلوم بالقصرين.
وأفاد الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع الوطني المقدم بلحسن الوسلاتي، أنّ «وحدات تابعة للجيش الوطني شرعت في القيام بعمليات عسكرية بالمرتفعات الغربية بجهة القصرين».
تعقّب عناصر
وأضاف في تصريح له، أنّ «هذه العمليات التي تقوم بها وحدات مكوّنة من قوات خاصة تابعة للجيش الوطني ووحدات الهندسة العسكرية تتنزل في إطار تعقب العناصر الإرهابية المتحصّنة بالمرتفعات الغربية».
رئاسة دورية
على صعيد متصل، أعلنت وزارة الدفاع التونسية استلام تونس الرئاسة الدورية لمبادرة «5 5» وذلك في ختام اجتماع وزراء الدفاع الوطني لدول شمال إفريقيا وجنوب أوروبا بغرناطة من 10 الى 12 ديسمبر الجاري.
وأكّد وزير الدفاع التونسي غازي الجريبي، أنّ «تسلم تونس لرئاسة المبادرة 2015 يتزامن مع استكمال انتقالها الديمقراطي، ما سيجعلها أكثر قدرة على معاضدة مجهود المحافظة على أمن المتوسط».
وأضاف الجريبي أن هذا التكليف سيجعلها أكثر نجاعة في رفع التحدّيات الامنية بالمنطقة المغاربية والتصدي لكل التهديدات الداخلية والخارجية ومواجهة المخاطر التي تهدد أمنها واستقرارها.
وأبان أنّ «تونس لن تدخر جهداً لتقديم الاضافة المطلوبة في أنشطة المبادرة بما يدعم المراقبة البحرية والأمن الجوي ومجابهة الكوارث والسعي لتعميق دراسة تطوير مجالات المبادرة لتشمل مجالات أخرى كمقاومة الجريمة المنظمة ومكافحة الإرهاب».
من جهة أخرى، ثمن الجريبي جهود إسبانيا في دعم المبادرة وإثراء أنشطتها وتحقيق أهدافها في مجال المراقبة البحرية والأمن الدولي ومجابهة الكوارث، معتبراً أنّها تجربة ستستفيد منها تونس وستعمل على مزيد دعمها خدمة لأمن غرب المتوسّط واستقراره.