على الرغم من قول القضاء كلمته الفصل بشأن القضية المعروفة إعلاميًا بـ«محاكمة القرن»، التي حوكم فيها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ونجلاه «جمال وعلاء» ووزير داخليته الأسبق اللواء حبيب العادلي و6 من مساعديه ورجل الأعمال حسين سالم، في عدد من القضايا أبرزها وأهمها قضية قتل المتظاهرين إبان «ثورة 25 يناير».
إلا أنّ الحكم الذي أعفى مبارك من المسؤولية الجنائية لم يعفه في أعين الكثيرين من المسؤولية السياسية.
ووفق مراقبين لم تكن مسؤولية مبارك السياسية التي أشار إليها قاضي «محاكمة القرن» المستشار محمود الرشيدي، خلال جلسة النطق بالحكم تتضمّن فقط مسؤوليته السياسية عن قتل المتظاهرين، وإنما مسؤوليته السياسية عن مجمل سنوات عهده الثلاثين، وما آلت إليه أحوال البلاد خلالها، والتي انتهت بثورة الشعب ضده حتى تمّ إسقاطه.
وهو الأمر الذي أشارت إليه نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا المصرية السابقة المستشارة تهاني الجبالي التي أكدت لـ «البيان»، أنّ «مبارك وإن حصل على حكم بالبراءة جنائيًا، فإن ذلك لا يمنع أنه مدان سياسيًا، ليس فقط على ما جرى في يناير 2011، ولكن بشكل عام طيلة عقود حكمه».
محاكم ثورية
بدورهم، شدّد محلّلون سياسيون على أنّ مثول مبارك منذ البداية للمحاكمة أمام قضاء جنائي كان مخالفًا لكل التشريعات الثورية التي تعطي حق إقامة المحاكم الثورية عقب نجاح الثورة لمحاكمة كل من أفسد الحياة السياسية والاجتماعية والصحية والتعليمية والاقتصادية في مصر».
لافتين إلى أنّ «الحديث حول تهديد إقامة المحاكم الثورية لاستعادة أموال مبارك التي هرّبها إلى الخارج خلال الثورة كان سبباً في التخلّي عن هذه الفكرة واللجوء للمحاكم الجنائية».
حكم سابق
في المقابل، يرى الفقيه الدستوري ورئيس مجلس الدولة الأسبق المستشار محمد حامد الجمل في تصريحات لـ«البيان»، أنّ «الحكم على مبارك لم يكن براءة مباشرة، إذ إنّ «المحكمة كانت تنظر في ثلاث قضايا، كان أبرزها قتل المتظاهرين والتي كان منطوق حكمها أنّه لا وجه لإقامة الدعوى.
والتي على الأرجح استند الحكم فيها إلى عدم وجود دلائل كافية لاتهامه من الأساس»، مؤكّدًا أنّ «وجود حكم سابق يدين مبارك في قضية قصور الرئاسة كفيل أن يمنعه من الحقوق السياسية كعقاب مخفّف له، غير أن ذلك المشهد لا يمنع مسؤولية مبارك السياسية الكاملة عن كل ما جرى».
مسؤولية سياسية
من جهتها، رأت الكاتبة الصحافية سكينة فؤاد، أنّ «غضب القوى الشبابية بسبب هذه الأحكام أمر طبيعي»، لاسيّما أنهم يبحثون عن المسؤول عن دم زملائهم الذين روت دماؤهم العطرة الثورة، بينما القضاء لا يحكم إلا بما أمامه من أدلّة وأوراق.
وهو ما أعفى مبارك جنائيًا، ولكن كما قال الرئيس عبدالفتاح السيسي أننا «لن نرجع إلى الوراء»، فإن احتواءه لذلك الغضب جراء الأحكام الصادرة دفعه للمبادرة بإعطاء تعليمات لوزارة العدل والعدالة الانتقالية والإصلاح التشريعي، بدراسة ما أشار إليه القاضي محمود الرشيدي، بضرورة إجراء تعديلات في بعض القوانين التي كان من شأنها إعفاء مبارك جنائيًا من أحكام لا تتناسب وحجم مسؤوليته السياسية.
وأوضحت في تصريحات لـ«البيان»، أنّ «القضايا السياسية لا تسقط بالتقادم وإن كان مبارك قد بُرّئ جنائيًا حتى وإن كان غير مسؤول بالفعل جنائيًا عن قتلهم وهو ما ستكشفه الأيام، إلّا أنّه كان مسؤولًا بصفته السياسية كرئيس للبلاد عن حماية المتظاهرين»، فضلاً عن مسؤوليته السياسية التي ارتبطت بجرائم ارتكبها في حق إنسان وموارد مصر.
إضاءة
تنحّى الرئيس حسني مبارك عن حكم مصر في فبراير 2011 عقب ثورة شعبية هبّت ضده، وظل فترة طليق السراح حتى ازداد الضغط الشعبي من أجل تقديمه للمحاكمة، ليواجه بعد ذلك عددًا من القضايا الجنائية، وهي قضايا قتل المتظاهرين والكسب غير المشروع، وقضية القصور الرئاسية وقضية الهدايا الرئاسية، فضلاً عن قضيّة تصدير الغاز لإسرائيل.