العلاقات الأردنية الإسرائيلية تتجه نحو مزيد من التعقيد، في ظل الإجراءات الإسرائيلية لتحقيق التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى بين المسلمين واليهود. ويبدو أن هذه العلاقات غير مرشحة للتبريد، في ظل تسخين إسرائيلي في ملف الحرم القدسي.
ويحتفظ الملك بحق الوصاية الأردنية التاريخية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وذلك في الاتفاقية التي وقّعها العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني مع الرئيس محمود عباس، والتي منحت الملك شخصياً حق الوصاية على المسجد الأقصى. وتستند السياسة الأردنية إلى اعتبار اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية اتفاقية استراتيجية، برغم ما يحيط بها من عواصف ما فتئ الأردن يتعامل معها وفق سياسة إدارة الأزمات.
تهديد إسرائيلي
ما يبدو أنه سيزيد من سوء العلاقات الأردنية الإسرائيلية هو ما كتبه قبل يومين وزير الإسكان الإسرائيلي أوري أرئيل، في صفحته على «الفيس بوك»، على خلفية تهديد الأردن بالتوجه إلى المحافل الدولية، في ما يتعلق بقضية القدس والأقصى والمقدسات الإسلامية، «إن على الأردن ألا تنسى حرب الأيام الستة». وأضاف الوزير الذي كان بضيافة الأردن قبل أيام قليلة فقط:
«سمعت أن الأردنيين يهددون بكل ما يتعلق باتفاقية السلام، وأتعجب إذا كانوا نسوا حرب الأيام الستة في 1967، وكل هذه السنين التي كانت إسرائيل داعمة فيها للملك، فجبل البيت (الحرم القدسي الشريف) والقدس تحت سيادة إسرائيلية، كما أن عمّان تحت السيادة التامة للأردن، وعليهم أن يفهموا ذلك».
وجاءت تصريحات الوزير الإسرائيلي بعد أيام قليلة من مناقشة الكنيست الإسرائيلي سحب الولاية الأردنية عن المسجد الأقصى، المناقشة التي تكررت مرتين هذا العام.
وبرغم أن الحكومة الأردنية، على لسان وزير التنمية السياسية د. خالد الكلالدة، استخفت بالتصريح، واصفة إياه بغير الجديدة، وأنها المواقف المعلنة ذاتها التي يحملها اليمين المتطرف، فإن الكلالدة قال لـ«البيان» في المقابل في تصريح مقتضب: «اليمين المتطرف يؤكد أن هناك أسئلة عديدة تتعلق بمستقبل عملية السلام مستقبلاً».
وسبق لوزير الإسكان الإسرائيلي نفسه أن زار المملكة برفقة زوجته قبل بضعة أيام لقضاء إجازة سياحية، بتنسيق كامل مع السلطات الأردنية التي وفرت الحماية له، إلى جانب حمايته الشخصية من الإسرائيليين.
الأردن يهدّد
ولوّح الأردن بمصير المعاهدة في حال لم تتوقف إسرائيل عن انتهاكاتها بحق الأقصى، وبناء المستوطنات في القدس الشرقية، وذلك خلال اتصالات دبلوماسية مع أطراف دولية، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية من تصريحات على لسان وزير الخارجية الأردني ناصر جودة.
وكان أكثر من مسؤول أردني، آخرهم وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني، قد حذروا من أن التصعيد الإسرائيلي في مدينة القدس من شأنه «تقويض عملية السلام» التي توصل إليها البلدان عام 1994، المعروفة باتفاقية «وادي عربة». ووفق المومني، إن بلاده بلورت خطة متكاملة لمواجهة تصعيد إسرائيل في القدس وانتهاكاتها المستمرة للحرم القدسي الشريف.
وتقول الحكومة الأردنية إن الإجراءات الإسرائيلية «تهدّد العلاقات بين الأردن وإسرائيل على مستوياتها كافة، وهي تتعارض مع اتفاقية وادي عربة وتهددها بشكل مباشر وحقيقي».
وإضافة إلى انتهاكات الأقصى، سبق أن أعلنت إسرائيل عن قرارها تسريع بناء ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة في القدس الشرقية المحتلة، وهو ما دفع الأردن إلى القول إن مثل هذه القرارات «خارجة عن القوانين الدولية والتزامات إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال»، معتبراً ذلك «عقبة حقيقية أمام عملية السلام وحل الدولتين».
تصعيد أردني
وقال الدكتور حسن المومني، أستاذ الصراعات الدولية، نائب عميد كلية الدراسات الدولية في الجامعة الأردنية، إن الصراع في الأساس هو صراع ديني، وهذا أمر مفهوم، ولو لم يكن هناك جدلية في قدسية فلسطين بين الطرفين المتصارعين، لما كانت هناك خلافات بينهما، ومن هنا فالتصريح ليس جديداً.
وأضاف، في تصريح لـ«البيان»، أن الصراع قائم على أن هناك روايتين مختلفين على الأحقية في القدس، مشيراً إلى أن إسرائيل، بغض النظر عن أنها تقدّم نفسها بوجه علماني، قامت أساساً على رواية دينية، ما زالت تعزز نفسها في السياسة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن حكومة نتانياهو اليوم محكومة وسط يمين يهودي يسيطر على مفاصل صناعة القرار الإسرائيلية.
ونوه بأنه لا يتوقع من أي مسؤول إسرائيلي القول غير ما قاله وزير الإسكان الإسرائيلي، مشيراً إلى أن مقاربة المسؤول الإسرائيلي سيادة إسرائيل على القدس بسيادة الأردن على عمّان مقاربة خاطئة، فعمّان منذ الأزل يحكمها الأردنيون، بينما لا وجود إسرائيلياً في القدس إلا في فترة بسيطة.
ولاحظ الأكاديمي الأردني أن هناك تصعيداً أردنياً دبلوماسياً عبّر عن نفسه اليوم بقوة، في ظل طبيعة ظروف سياسية وأمنية ساخنة في المنطقة. وأشار إلى أن الأردن يقود تصعيداً دبلوماسياً غير معهود هذه الأيام لحماية الأقصى..
مشيراً إلى أن التعليمات الملكية للحكومة هي في أن تتخذ كل الوسائل الدبلوماسية لحماية القدس والمسجد الأقصى، وهو ما عبّر عنه موقف وزير الخارجية ناصر جودة، والتصريح الذي أدلى به السفير الأردني في «تل أبيب» قبل أيام، في حفل ذكرى توقيع اتفاقية وادي عربة.
التزام وخرق
لم تسجل المملكة أي اختراقات للمعاهدة منذ أن وقعت «وادي عربة»، لكن الأردنيين يؤكدون أن الإسرائيليين ارتكبوا العديد من الاختراقات للاتفاقية، وبخاصة على صعيد القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية التي تحظى برعاية الأردن وفق المعاهدة مع إسرائيل.