مع كل خطوة دبلوماسية تقدم عليها القيادة الفلسطينية، تجد نفسها مضطرة لصد سيل من الشائعات والتقارير التي تزعم تعرّض الفلسطينيين لضغوط عربية، وأحياناً غربية وإسرائيلية، لثنيها عن الإقدام على هذه الخطوة أو تلك. أول من أمس نفى الرئيس الفلسطيني محمود عباس تقارير عن ضغوط عربية لثني القيادة الفلسطينية عن التوجّه إلى مجلس الأمن الدولي من أجل الحصول على سقف زمني لإنهاء الاحتلال.
وإذا كان من المستهجن الحديث عن ضغوط عربية باعتبار أن القيادة الفلسطينية جزء من منظومة عربية متجانسة على المستوى الرسمي إزاء المشهد السياسي الراهن بتفاصيله وتحالفاته، فإن كل المؤشرات تؤكد أن عباس ماض في طريقه إلى مجلس الأمن لطرح خطته المطالبة بإنهاء الاحتلال من أجل إقامة الدولة الفلسطينية. أما حظ هذا التحرك من النجاح، فهذه قضية أخرى وفيها نظر.
مشاورات مستمرة
سفير فلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور، قال إن المشاورات ما زالت مستمرة على مستوى الخبراء في مجلس الأمن للاتفاق على صيغة مشروع قرار يحدد نوفمبر 2016 موعداً نهائياً لانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جميع الأراضي الفلسطينية، وإن القيادة تسعى لطرح الموضوع للتصويت قبل نهاية العام الجاري، ولن يتم تأجيله للعام المقبل لأن الدول الأعضاء الحاليين في مجلس الأمن الذين سيصوتون على المشروع ستنتهي مدة عمل بعضهم نهاية العام، مشدداً على أن القيادة لن تقبل بتأجيل طرح الموضوع للتصويت العام المقبل.
منصور أكد أيضاً أن المشروع يحظى بدعم الدول العربية ودول عدم الانحياز، ومجموعة الدول الإسلامية والكثير من الدول. وقال أكثر من ذلك، إن «المشروع عربي والعرب بشكل موحد مصطفون خلف فلسطين، كما أن الأردن الذي يمثل العرب بمجلس الأمن يعمل بكل جهد لدعم المشروع».
دعم داخلي
واضح أن التحرك الفلسطيني يحظى بدعم داخلي واسع، حتى من جانب فصائل معارضة لمنج التسوية واتفاقات أوسلو، فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي طالما طالبت بالتخلي عن منهج المفاوضات الثنائية المباشرة ونقل الملف إلى الأمم المتحدة، وجدت في خطة عباس موقفاً ينسجم مع ما طالت به منذ 25 سنة هي عمر المفاوضات منذ انطلقت في مؤتمر مدريد في العام 1991، وبعدها اتفاقات أوسلو.. وكذلك أعلنت الجبهة الشعبية دعمها للتوجه إلى مجلس الأمن.
تيسير خالد، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، وواصل يوسف، القيادي في جبهة التحرير الفلسطينية وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أكدا أنهما يتوقعان أن تدعم القرار سبع دول أعضاء في مجلس الأمن من أصل من 15 دولة، في حين يتطلّب تمرير القرار موافقة تسعة اعضاء بشرط ألا تستخدم أي دولة من الاعضاء الدائمين حق النقض «الفيتو».
وأوضح خالد ويوسف أنه تجري حالياً محاولات لإقناع فرنسا ولوكسمبورغ من أجل الوصول إلى الأصوات التسعة المطلوبة. أما عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة د. أحمد مجدلاني فاعتبر أن القرار الفلسطيني بالتوجه إلى مجلس الأمن خطوة كفاحية لا عودة عنها.
وشدد على أن جميع الضغوط السياسية والتهديد بفرض عقوبات على الشعب الفلسطيني لن تفلح في ثني القيادة الفلسطينية عن التمسك بموقفها بعرض مشروع قرار على مجلس الأمن لتحديد موعد لإنهاء الاحتلال، وتطبيق حق العودة للاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة والخالية من الاستيطان.
أوراق قوة
ومن جانبه، قال عضو تنفيذية المنظمة جميل شحادة إن القيادة الفلسطينية لديها أوراق قوة ستستخدمها في حال استخدام «الفيتو» ضد القرار الفلسطيني من جانب الولايات المتحدة التي أعلنت أكثر من مرة معارضتها للتوجّه الفلسطيني، متبنّية موقف إسرائيل الذي يحصر العملية بالمفاوضات المباشرة التي لم تجد نفعاً منذ انطلاقها قبل ربع قرن.
ويعتبر كثير من الفلسطينيين الحصول على أغلبية في مجلس الأمن نصراً دبلوماسياً، على الرغم من ترجيح استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو ضد القرار.
يقول رئيس قسم الإسرائيليات الأسبق في جامعة الأزهر د. محمد أبوغدير، إن قرار الأمم المتحدة بشأن إنهاء الاحتلال في الوقت الجاري سيحقق نصراً كبيراً، وبالأخص لأنه سيجعل الفرصة سانحة لها أمام إعمار غزة، بعد دعم عدد من الدول العربية التي طالبها بالضغط على عدد من الدول لإقناعها بإنهاء الاحتلال.
لكن بالمقابل هناك في أوساط الفلسطينيين من لا يرى جدوى في خطوة جربوا خطوات كثيرة مشابهة لها في السنوات الأخيرة، منذ إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، وحصوله على اعتراف واسع من دول العالم، وهم ينظرون للتحرك الجديد باعتبار أنه استنساخ لتجارب سابقة.
تخوّف إسرائيلي
عبّر مسؤولون إسرائيليون عن تخوّف من أن تغيير تركيبة أعضاء مجلس الأمن الدولي من شأنه أن يقود المجلس إلى تبني مشروع قرار الاعتراف بدولة فلسطين مطلع العام المقبل، ووصفوا التغيرات في تركيبة المجلس بأنها «عاصفة سياسية».
وبحسب «يديعوت أحرونوت» فإن القلق نابع من خروج دول صديقة لإسرائيل من عضوية مجلس الأمن وانضمام دول معادية لها إلى المجلس، مثل ماليزيا وفنزويلا. وأضافت المصادر أنه إذا نفذ الرئيس محمود عباس تهديده وتوجه إلى مجلس الأمن الدولي من أجل الحصول على اعتراف بدولة فلسطين، فإن إسرائيل ستواجه صعوبة في لجم هذه الخطوة.