على الرغم من إيغال النظام السوري في العنف ضد المنتفضين منذ اندلاع الثورة السورية، إلا أن الفاجعة التي كانت أكبر من الإدراك والتصديق لدى السوريين تجلت صبيحة 21 أغسطس العام الماضي، حينما استفاقت سوريا والعالم على وسائل الإعلام المرئية تبث مجزرة ناتجة عن قيام قوات النظام بقصف بلدات الغوطة الشرقية بصواريخ تحمل رؤوساً كيماوية، ما أدى إلى سقوط ما لا يقل عن ألف وخمسمئة معظمهم من النساء والأطفال.

وما كان ينتظر من المجتمع الدولي في هذا الأثناء، وفق الاحتمالات المطروحة، هو اقتياد الجناة إلى المحاكم الدولية بعد إجراء التحقيقات العينية بغرض كشف هوية الفاعلين. لكن الرئيس الأميركي بارك أوباما، وفي استدارة غير متوقعة، امتص الغضب الشعبي والإعلامي عبر عقد صفقة دولية مع الروس بتسليم النظام السوري لترسانته الكيماوية إلى منظمة حظر الأسلحة ضمن برنامج زمني محدد.

مصالح حيوية

هذه المقاربة الدولية راعت في محتواها المصالح الحيوية للدول الكبرى على حساب العدول عن ملاحقة الجهات المتورطة على الرغم من حضور الأدلة والبراهين تكاد تكون دامغة لإحالة زمرة النظام إلى أروقة المحاكم الجنايات الدولية. ومنذ ذلك التاريخ باتت عبارة الضمير الدولي وأخلاقياته تثير الريبة والسخرية لدى جموع السوريين الذين تركوا أمام نظام يفتك بهم يومياً عبر شتى أنواع الأسلحة الدولية المحرمة، لتجتر الدبلوماسية الدولية في إغداق عبارات لفظية كنوع من التنفيس عن حالة الاستياء والرفض عما يجري على الأرض. ولينزلق معه النزاع السوري إلى حرب مسعورة تدار رحاها بين الجماعات الدينية المتطرفة من جهة، والنظام السوري وحلفائه من جهة ثانية.

سياسياً، تمكن الغرب من استثمار هذه المجزرة أحسن الاستغلال بهدف تمرير بعض أجنداته الآنية، فلم يغير نظام بشار الأسد مساره بشكل جذري حيال المناشدات الدولية، إلا عندما واجه تهديداً حقيقياً باستخدام القوة العسكرية في الخريف الماضي، حيث شكل القرار رقم 2118 القاضي بموافقة النظام التخلص من برنامج أسلحته الكيماوية والتفاوض حول الانتقال السياسي على النحو المبين في «بيان جنيف» رافعة استطاعت نقل مخزون دمشق الكامل من الأسلحة الكيماوية وتدميره.

ثمار التطورات

وجنى النظام عملياً الثمار هذه التطورات المتسارعة، حيث حاز على الغطاء الشرعي الدولي الذي كان أحوج ما يلزمه في هذا التوقيت اثر انهيار صورته أمام الرأي العام الدولي. كما احتكر حضوره في جنيف، حيث تعثرت محادثات السلام بسبب رفضه مناقشة «هيئة الحكم الانتقالية» مع المعارضة على النحو ما جاء في إطار «بيان جنيف». وبدلاً من ذلك، قدّم النظام حلاً سياسياً قسرياً يتمحور حول «إعادة انتخاب» الأسد لولاية ثالثة بعدما استبعد المعارضة في الداخل والخارج وفرض نفسه دون أن يزاحمه أحد في حملته بشكل جاد. ومع مرور عام على مجزرة الكيماوي، لا يملك السوريون من أمرهم شيئاً سوى استذكار بشاعة المجزرة المأساوية في ذاكرتهم، مبدين غضبهم لإخفاق العدالة في محاسبة الجُناة.

تقسيم

الحل القسري الذي فرضة النظام باعادة انتخاب الاسد رئيسا لولاية ثالثة في انتخابات لم يسمح ان يشارك فيها معارضة الداخل والخارج يجعل من المستحيل إعادة توحيد سوريا تحت قيادة مركزية، الأمر الذي يؤدي إلى تقسيم البلاد بصورة دائمة سيما مع تكاثر الجماعات المتشددة في الطرف الآخر.