ضربت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في الساعات الأربع والعشرين الماضية، الرقم القياسي في «التخبيص» وفقدان البوصلة. تسببت لنفسها في السابق بإحراجات قاسية، لكن هذه المرة وقعت بمزيج غير مسبوق من التخبط، وخطأ الحسابات، والارتماء بشكل مأساوي في حضن الابتزاز الإسرائيلي. وسواس الاستمرار في المفاوضات بأي ثمن، دفع بها إلى قبول البحث بشروط تشي بأن دبلوماسيتها أشهرت إفلاسها أو تكاد.
غادر وزير الخارجية جون كيري أوروبا فجأة في زيارة لساعات، لكي يحمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في اللحظة الأخيرة على إطلاق سراح دفعة أخيرة متفق حولها من الأسرى الفلسطينيين، فانتهى سجيناً لشرط إسرائيل، بوجوب مقابلة الإفراج عنهم بإخلاء سبيل جاسوسها جوناثان بولارد المحكوم عليه بالسجن المؤبد في أميركا، منذ 1985، كما بوجوب حمل الفلسطينيين على القبول بتمديد مدة التفاوض لغاية 2015، وطبعاً من غير ضمانة بأن تنتهي العملية بالتسوية الشاملة المنشودة. «إذا كان الاتفاق مرهوناً بإطلاق سراح بولارد، فهذا يشكل كارثة»، كما قال رئيس قسم الشرق الأوسط في «مؤسسة وودرو ويلسون للدراسات» في واشنطن آرون ميللر، وهو من أبرز المتابعين للملف الفلسطيني.
دهشة وتحذير
وصدرت تعليقات من بعض رجال الكونغرس تفيض بالدهشة والاستغراب لربط قضية الجاسوس بالمفاوضات، والمعروف أن كل وكالات الاستخبارات الأميركية حذّرت مراراً، وباستمرار من خطورة منح بولارد أي عفو. وهذا موقف متوارث، اعتمدته سائر الإدارات التي تعاقبت منذ ذلك الحين، على أساس أن الضرر الذي ألحقه بولارد بالأمن القومي الأميركي «لا مثيل له». الأصوات اليهودية تباينت، منها ما دعا إلى إخلاء سبيله، بزعم أن الحكم أساساً «قاس»، وأنه لم يتجسس لصالح عدو؛ كما أنه يصبح بعد عام مؤهلاً للحصول على عفو رئاسي، ومنها ما يخشى من «ردة فعل سلبية ضد اليهود الأميركيين».
سؤال وذرائع
السؤال الذي طرحه العديد من المراقبين: لماذا ذهبت الإدارة إلى هذا الحدّ؟، وخاصة أوباما الذي «فوّض» كيري البحث بأمر بولارد كورقة. لماذا القبول بإقحام بولارد في موضوع المفاوضات والأسرى الفلسطينيين الـ26 المتفق حول تركهم منذ يوليو الماضي، وكان كيري عرّاب الاتفاق؟ الإدارة تتذرع بالحاجة إلى إنقاذ المفاوضات! حقيقة الأمر أنها كانت بحاجة إلى تمديد، وليس إنقاذ المفاوضات، لحفظ ماء الوجه، ونزولاً عند رغبة إسرائيل، فهذه العملية وصلت إلى الانسداد الذي كانت من البداية محكومة بالوصول إليه.
تحديد فترة 9 أشهر للمفاوضات من دون التزام أو إلزام بالتوصّل إلى حل نهائي، ترك المفاوضات فريسة للتعجيز الإسرائيلي، واستطراداً، وبدا أنها كانت على استعداد لتلبية شروط نتانياهو بما فيها كسر إجماع أميركي بخصوص بولارد، والعملية محكومة من البداية بالوصول إلى هذه النقطة.
تقدير مصري
أكدت وزارة الخارجية المصرية في بيان أمس، أنها تابعت باهتمام الجهود التي بذلها الجانب الأميركي خلال الفترة الماضية، منذ استئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية. وأوضحت أنها تقدر الجهد الذي بذله وزير الخارجية الأميركي جون كيري وجهوده الحثيثة في هذا الصدد. وأضافت: لا شك في أننا كنا نتطلع إلى التوصل لاتفاق بين الفلسطينيين وإسرائيل خلال الإطار الزمني المقترح للتفاوض، وما زلنا بطبيعة الحال نأمل بالتوصل إلى تسوية شاملة في المستقبل القريب، بناء على مرجعيات عملية السلام والقرارات الدولية ذات الصلة. القاهرة- د.ب.أ