ازدادت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الأسابيع الأخيرة بشكل لافت ومستفزّ، إذ ارتفع عدد الشهداء والجرحى بشكل واضح، وكشّر جنود الاحتلال عن أنيابهم في حوادث اغتيال، تميزت بعنف مفرط، ووحشية، وكان آخرها استشهاد ثلاثة ناشطين في جنين، سقطوا في مشهد اغتيال بشع، مشابه تماماً لما حدث للشهيد معتز وشحة، في بير زيت. ويرى مراقبون في تزامن هذه الجرائم ونهجها منعطفاً تنتهي معه طريق المفاوضات والتسوية، التي بقيت تراوح مكانها، وتحول إلى أفق جديد، تشتعل فيه انتفاضة فلسطينية ثالثة، قد لا يسعف الوقت المتبقي لاندلاعها القيادة الفلسطينية، للتوصل إلى حل سلمي، فيما تقوّض آلة الاحتلال الإسرائيلي كل الجهود المبذولة، لتحقيق ذلك، وتطفئ بجرائمها نور الصبر الباقي في الساحة الفلسطينية، وتستنفذ ما بقي من شعلة الانتظار والترقب في الشارع الفلسطيني بعنصريتها، وتطرف ساستها وسياستها.

أفق مسدود

عشرون سنة مرت على اتفاق أوسلو، ولا يوجد في الأفق أي بوادر تسوية، وخصوصاً بعد أن شارفت المفاوضات الأخيرة على الانتهاء، وعاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس من واشنطن لا يحمل لشعبه أي إجابة، سوى ما يتوقعونه من أنباء عن جملة الضغوط السوداء، التي أطلقها البيت الأبيض في وجه عباس، الأمر الذي أضاف وقوداً على نار الإحباط، التي تغلي في الشارع الفلسطيني، الذي سينفجر في أي لحظة ضد الاحتلال.

وبعد أن تلاعبت تل أبيب وواشنطن بالمفاوض الفلسطيني الملتزم بطاولة المفاوضات، منذ عودة السلطة الفلسطينية بعد توقيع أوسلو، التي ما زالت أسيرة اللعبة، التي تم برمجتها بشكل صار مكشوفاً ومعروفاً للقاصي والداني من أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أن مواصلة إسرائيل فرضها سياسة الأمر الواقع، وانتهاكها الأعراف والمواثيق الدولية كافة، من دون أدنى اهتمام أو مسؤولية تجاه ملف التسوية، يضع الفلسطينيين قيادة وشعباً أمام طريق مسدود، قد لا يكون الحل لتجاوزه سوى بتصعيد المقاومة.

خطة تركيع

ويرى محللون في مشهد الجمود، وانسداد الأفق والأوضاع السياسية المترهلة، والشحن الميداني، الذي يؤججه الاحتلال منذ مدة تكرار، لذات الحالة التي أعقبت فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، حين حاولت إسرائيل تركيع الفلسطينيين لدفعهم للقبول بحل نهائي، يناسب المخطط الإسرائيلي، فحسمت أمرها، وأعلنت أن الرئيس الراحل ياسر عرفات ليس شريكاً للسلام، وقررت الدخول في موجة عنيفة، لتحطيم مؤسسة القرار الفلسطيني، إذ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها آريئيل شارون: «يجب علينا إعادة تربية الفلسطينيين».

وكان دخول شارون الأقصى غطاء لجر الشارع الفلسطيني نحو المواجهة، فما كان إلا أن اندلعت الانتفاضة الثانية الدامية والمفصلية، وأكمل الفلسطينيون بعدها مسيرة التسوية مع انتهاء الانتفاضة الثانية، محاولين إعمار ما تم تدميره.

واستمرت الضغوط والترتيبات لدفع الفلسطينيين لقبول تسوية بأي ثمن، وأحرزت إسرائيل «نصراً» في «خطة التركيع والإحباط»، لكنه لم يدم لها طويلاً.

ولكن المراقبين يرون أن هذا ليس كافياً لغاية الآن لفرض الحل الذي تريده إسرائيل، لأن الفلسطينيين قيادة وشعباً يملكون من الجلد والقدرة على التحمل ما فاق التوقعات الإسرائيلية، التي قررت على ما يبدو المضي قدماً في جولة «تركيع جديدة» أشد حزماً وأكثر قوة، أولى شراراتها مسلسل الاغتيالات في وضح النهار.

انتفاضة ثالثة

يرى المحلل السياسي باسم برهوم، في حديثه لـ «البيان» أن التطورات الميدانية على الأرض المتمثلة في تصاعد الغضب في المناطق الفلسطينية، وخصوصاً المخيمات، التي تعد الأكثر كثافة سكانية، وتجدد المواجهات اليومية على الحواجز ومناطق التماس، والاغتيالات المتكررة مع انسداد أفق التسوية، عوامل تسابق الدبلوماسية الفلسطينية، وخططها المتعلقة بالتوجه لهيئات للأمم المتحدة، أو مقاطعة إسرائيل نهائياً في حال فشل المفاوضات. وهذا يعني أن الأسابيع القليلة المقبلة ستحسم الأمر ما إذا كان المفاوض الفلسطيني سيسبق الوقت، ويقبل بتمديد المفاوضات، قبل أن تنجح آلة الحرب الإسرائيلية في جر قدم الشارع الفلسطيني إلى مربع الانتفاضة الثالثة.