يبدو أنّ الدستور التونسي العتيد بات مُفرّقاً للتونسيين، بدل أن يكون جامعاً. الخلافات حوله تبدو مهدّدة له. والتوافق في الحد الأدنى.
وفي ضوء التباينات الحاصلة يبدو مستعصياً تمرير الدستور في المجلس التأسيسي، وصعباً توفير تأييد نسبة الثلثين (من أصل 217 عضواً)، وحتى جبهة النهضة، أحد ثلاثي الائتلاف الحاكم تبدو على مفترق طرق بعد أنّ شقّ صفها، وبالتالي يبدو التوافق صعب المنال، رغم أنّ المفاوضات، أو المناقشات، حوله امتدت لستة شهور. في البداية كان الخلاف على دين الدولة، رغم أنّ هذا الأمر يجب ألاّ يكون محل خلاف، ثم جاء الفصل السادس الخاص بتجريم التكفير والتحريض على العنف، ليصب الزيت على النار، وهكذا استهلك نواب الشعب أسبوعاً في السجال العقيم بعد موافقة 149 نائباً على النص، مقابل تحفظ 23، واعتراض 13. وينص الفصل السادس بصيغته المعدّلة على أن الدولة راعية للدين، وكافلة لحرية المعتقد، وعلى عاتقها يقع حماية المقدسات، وتحييد المساجد عن التوظيف الحزبي، ويجرّم التكفير والتحريض على العنف.
كان التونسيون يأملون أن يسهم الدستور الجديد في التخفيف من حدة التوتر والانقسام، لكن الدستور الجديد بات محل تقسيم، بدل أن يكون محل توافق!
وستكون المصادقة على دستور الجمهورية الثانية نقطة أمل في شق مسار الانتقال الديمقراطي، ذلك أن طريق ولادة الدستور المنشود شارفت على الختام، إذ لم يبق إلا الفصول المتبقية ضمن الباب الأخير المتعلق بالأحكام الانتقالية.
يرى سياسيون ومراقبون ومواطنون تونسيون كثر أنّ الدستور الجديد يحوي «نقائص» عدة، لكن الأكيد أنّ هذا العقد الاجتماعي الجديد الذي يؤسّس لعهد جديد حافظ على مكاسب مهمة، أوّلها الدولة المدنية، وبينها حقوق المرأة والتمييز الإيجابي للتنمية في المناطق الأكثر فقراً.
إنّ المطلوب من النخبة السياسية التونسية أن تؤمّن وصول البلاد إلى بر الاستقرار والتوافق لا أن تغرق في سجالات عقيمة، تقود البلاد إلى التشتّت والاحتقان، ومهما تكن من خلافات على البنود، فالأمر متعلّق بتركيبات لفظية سهلٌ تغييرها أو تبديل مواقعها أو تخفيفها بدل التقوقع خلف المواقف المتشنّجة، ورشق الدستور بالتهم.
إنّ الحلول التوافقية التي اكتست جلسات المجلس في إقرار نحو 130 مادة أمكن الاتفاق على بنودها (من بين 146 تضمّنتها مسودة الدستور) تعدّ قفزة، حري السير على نهجها حتى تنجز خريطة الطريق، لينطلق التونسيون نحو الديمقراطية الناجزة، بعيداً عن الخلافات الانتقالية.
nidal@albayan.ae