وسط الحراك المحموم بشأن جنيف 2، وتسلّط الأضواء بقوة على التدهور المريع للأوضاع الإنسانية في سوريا، جاء «إعفاء» نائب رئيس الوزراء السوري قدري جميل من منصبه ليربك الحسابات، ويطرح المزيد من علامات الاستفهام حول إمكانية عقد المؤتمر الدولي قريباً.. ناهيك باحتمالات نجاحه.
إلاّ إذا كان المطلوب تركيب طاولته كيفما اتفق، تلبية للإصرار الأميركي والرغبة الروسية. ثم زاد من الالتباس ما صدر عن المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي من تصريحات سارع إلى تصحيحها حول دور نظام الأسد في التسوية وما بعدها، لتكشف مدى التخبط والتضارب في المواقف والشروط، ومدى التشكيك في المحاولات والمساومات التي تحوم فوقها شبهات التفخيخ.
الإدارة الأميركية أكثر المستعجلين لعقد جنيف، وهي تتصرف على أساس أنه مرتبط بمفاوضات النووي الإيراني. وبالتالي، لا بدّ من إطلاقه لمواكبة التقدم الذي يشهده هذا الأخير، كما تقول واشنطن. مع أن هناك تحذيرات من الاستعجال، صدرت عن كثيرين من الدبلوماسيين والخبراء المشتغلين مع الوزير كيري في هذا الملف. ويرى هؤلاء أن مشكلة تمثيل المعارضة شبه مستعصية، وبما يجعلها عقبة تهدّد بفشل المؤتمر. مجازفة لا مصلحة لواشنطن فيها.
لكن البيت الأبيض، الذي يتولي رسم السياسة الخارجية هذه الأيام، عازم على جنيف. وحماس الوزير جون كيري في هذا الخصوص، ليس سوى انعكاس لهذا العزم الذي يعمل على ترجمته بالتنسيق شبه اليومي مع نظيره الروسي، سيرجي لافروف.
تعدد تفسيرات
فجأة، برز لغز إقالة قدري جميل، الذي تعددت التفسيرات بشأنه. التعليل السوري بأنه تغيّب عن مقر عمله وأجرى لقاءات خارجية مع السفير الأميركي روبرت فورد في جنيف، من دون التنسيق مع حكومته، غير كاف. فهو لم يكن ليعقد مثل هذا اللقاء لولا موافقة مسبقة من دمشق، حسب الاعتقاد السائد في واشنطن. ثم إن جميل من دعاة الحل السياسي، وبعلم النظام.
اتصالات سابقة
يضاف إلى ذلك، أن الإدارة الأميركية سبق وقامت باتصالات معروفة وليست سرية، مع «جهات سورية من كافة الأطياف، ومنها ما هو مقرّب من النظام» حسب الخارجية الأميركية. علاوة على كل ذلك، إن جميل له صفة رسمية ويعمل بالتعاون مع روسيا التي تساند النظام.
وهو كان في موسكو قبل اجتماعه مع فورد في جنيف. الأمر الذي ترك المجال لأكثر من سيناريو حول فك لغز إقالته بهذ الصورة المفاجئة. منها أنه ربما «تخطى الممنوعات» في حواره مع فورد، بشأن شرط واشنطن حول ضرورة استبعاد الأسد من التركيبة السياسية الجديدة في سوريا.
قد يكون جميل اقترح صرف النظر حالياً عن هذا الشرط السابق لأوانه، حيث من الممكن ألا يترشح الأسد للرئاسة مرة ثالثة. وفي سيناريو آخر جرى التلميح بأن قدري جميل كان يجري إعداده بتنسيق أميركي روسي ليكون المحاور باسم المعارضة الداخلية في جنيف، بحيث يكتمل نصاب انعقاده. عزّز هذا الاعتقاد ما تردّد عن احتمال تجديد الحضور الأميركي في سوريا، عن طريق إعادة فورد إلى دمشق.
ولدى استفسار «البيان» من مصادر وزارة الخارجية الأميركية عما إذا كان جميل «حاول الاتصال بالسفير فورد أو بأي مسؤول أميركي بعد إقالته؟ أجاب مسؤول في الوزارة أن ذلك «لم يحصل».
تركيب متعجل
مهما كان السبب، فالإقالة متصلة بجنيف. ولا شك أنها «عقّدت» التحرك لتركيبه على عجل، كما ترغب واشنطن. فمحاولتها التقليل من أهمية هذا التطور، من خلال التوكيد على استمرار المساعي لعقد المؤتمر، كما من خلال التنويه بالتقدّم السريع لبرنامج تدمير الكيماوي، لا تلغي أنه يعكس ضخامة العقبات وهشاشة صيغة المؤتمر. وفي ذلك زيادة صداع لواشنطن، حتى لو اكتمل نصاب المتحاورين.