مرّ أسبوع دبلوماسي غير مسبوق بزخمه، في الأمم المتحدة في مدينة نيويورك. ملفات وعلاقات وأزمات، انتقلت من حافة الانفجار إلى مدار الصفقات والمقايضات. النووي الإيراني، صار على طاولة تفاوض فاصل.
«الهجوم الساحر»، كما أطلقوا عليه، للرئيس حسن روحاني في نيويورك واجتماع الوزيرين الأميركي جون كيري والإيراني جواد ظريف، الأول من نوعه منذ نيّف وثلاثة عقود، نقل هذا الموضوع إلى خانة تسوية محتملة. ثم جاءت المكالمة المفاجأة عصر الجمعة، بين الرئيسين باراك أوباما وروحاني لتصبّ في هذا المجرى وتعطيه شحنة إضافية من التفاؤل، ولو الحذر والمتحفظ. وختمت التحولات دورتها بقرار صدر بالإجماع عن مجلس الأمن، ليل الجمعة، حول «الكيماوي السوري» ليشكل نقلة نوعية في هذا الخصوص، وإن وصف بأنه قرار بلا أسنان أو بأسنان مفترضة، وفق تفسيرات الإدارة الأميركية.
بذلك انكسر كثير من الجليد وسقطت حواجز مزمنة. الآن ما هي آفاق هذه الاختراقات الدبلوماسية؟
بنتيجة بازار الأيام الخمسة التي حفلت بالمساومات والتسويات خلف الكواليس في مقر المنظمة الدولية، توزعت موسكو وإيران وواشنطن، المكاسب. الأولى فرضت صيغة قرار «الكيماوي». أصرّت على أن يأتي خالياً من الإشارة إلى الجهة التي استخدمت هذا السلاح في غوطة دمشق، وأن لا ينصّ على العواقب المترتبة على إخلال سوريا بالتزاماتها تجاه عملية تجريدها منه. فهو يحظر عليها «استخدام الكيماوي أو تطويره أو إنتاجه أو الحصول عليه بأي طريقة، كما يمنعها من تزويد أي دولة أو جهة أخرى به. لكنه لا يشير إلى ما ينتج عن عدم التقيد بمثل هذه المحظورات. فقط يحيل الأمر من جديد، في حال خرقها، على مجلس الأمن ليقرر الخطوات التي يرتئيها. الإدارة تقول ومعها الأوروبيون، أن القرار «ملزم قانونياً بمجرد أنه ينصّ على وجوب العودة في حال عدم التقيد، إلى مجلس الأمن لاتخاذ خطوات عقابية تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. مثل هذه العودة تفترض وقوع مخالفة للقرار. لكن ثمة من يرى في ذلك مجرد اجتهاد غرضه حجب واقع أن واشنطن رضخت للصيغة الروسية. وحتى لو صحّ أنه بات ملزماً من الناحية القانونية، فإن ذلك لا يمنع موسكو من استخدام الفيتو لو حاول مجلس الأمن لاحقاً، اتخاذ إجراءات عقابية بحق سوريا.
نقاط اختراق
الرئيس روحاني، حقق هو الآخر نقاط اختراق في مجال تسويق الانفتاح الإيراني على حلّ للنووي. واجه بعض التعثر في حملته الإعلامية المكثفة، التي أجرى خلالها العديد من المقابلات واللقاءات مع شبكات التلفزة وكبار الصحافيين والمعلقين وحتى مع رجال أعمال ودبلوماسيين أميركيين متقاعدين. خاصة عندما تعرّض لأسئلة في مواضيع حساسة مثل الهولوكست وذلك على خلفية الموقف الإيراني المعروف حولها. ثمة قوى محافظة قامت بما يشبه حملة تحذير من روحاني «الشديد الشبه بأحمدي نجاد لكن بأسلوب أكثر نعومة ولطافة»، بتعبير أحد المعلقين. التساؤلات والتوجسات كثيرة، بحكم الرواسب والسوابق. زادها تهيّب روحاني المصافحة مع أوباما. والأرجح أن المكالمة التي قرر أن يجريها مع البيت الأبيض والتي استغرقت ربع ساعة، قبل مغادرته وهو في طريقه إلى المطار؛ جاءت للتعويض عن فرصة اللقاء ولتخفيف الشكوك بمدى التفويض الذي قال أنه حاز عليه من المرشد الأعلى.
لكن رغم كل ذلك، الجوّ السائد في واشنطن بأن إيران تبحث عن مخرج تحتاجه، على قاعدة تجميد المشروع النووي إلى حين. ما عادت قادرة على الاستمرار بهذا الوضع الاقتصادي والنووي المعلّق. بل هي مستعجلة على التخلص منه. فالفرصة قد تكون الأخيرة. الرئيس روحاني ألمح إلى إمكانية التوصل إلى تسوية بظرف ستة شهور. وربما ثلاثة. وزير خارجيته تحدث عن سنة. وضع جدول زمني بهذا الحدّ استوقف كثيرا من الدوائر الأميركية. فهذه أول مرة يشير فيها الجانب الإيراني إلى جدول زمني وبهذه الفترة القصيرة. إشارات رجّحت عدم استبعاد أن تكون طهران الآن جادة في البحث عن تسوية. لكن السؤال الكبير والمحيّر في واشنطن هو: أي جديّة وأي تسوية؟
مشروع مقايضة
في هذا الصدد، سرت تلميحات ومرّت إشارات تفيد بأن الصفقة المزمعة مع إيران تتجاوز بل لا بدّ أن تتجاوز، ملف النووي؛ لتشمل التعاون الاستراتيجي بينها وبين واشنطن في المنطقة. وكأن هناك مشروع مقايضة: النووي مقابل «مصالح» طهران الإقليمية. خاصة وأن هناك اندفاع لدى إدارة أوباما باتجاه التوصل إلى صيغة حلّ للنووي الإيراني وإلى الحدّ الذي أثار تحذير أوساط في واشنطن من «القبول بتسوية رخوة» مع إيران. الرئيس أوباما طلع أيضاً من الرابحين، ولو من المقعد الخلفي، في صفقات هذا الأسبوع التي دخلت التاريخ. أو هكذا بدا. الملف السوري صار في مجلس الأمن ومعه انتهى « الخط الأحمر». والنووي الإيراني دخل إلى غرفة المساومة. بذلك اشترى أوباما الوقت: ستة شهور إلى سنة.
انتهى العرس الدبلوماسي. وجاء وقت السير بين الألغام. المقدمات الأخيرة التي قادت إلى هذه النقطة كانت أساساً صناعة روسية وإيرانية. وإذا كانت الأمور محكومة بمقدماتها فإن الحصيلة المتوقعة تسويات لا بدّ وأن تكون متجانسة او على الأقل غير متضاربة، مع الحسابات التي قادت إلى هذه النقطة والتي عندذاك تقدمها إدارة أوباما من زاوية أنه «ما كان بالإمكان افضل مما كان». ولن يكون ذلك بالأمر الغريب. فسوابقها حافلة بالتراجعات.