يبدو أن الفلسطينيين أدركوا اليوم فشلهم في الاستجابة لمطلبهم بوقف الاستيطان في الأراضي المحتلة، بعد مرور ما يقارب الشهرين على انطلاق عملية التسوية التي أهدر خلالها مزيد من الوقت من دون إحداث أي تقدم على صعيد قضايا الحل النهائي. فيما تكرست من جهة أخرى عزلة إسرائيل على الساحة الدولية بسبب استمرارها في سياسة مصادرة الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات داخل الضفة الغربية ومحيط القدس، بينما يواصل وزير الخارجية الأميركي جون كيري مفاوضاته الخفية مع الاتحاد الاوروبي لتأجيل تنفيذ قراراته المتعلقة بمنع التعاملات الاقتصادية والمشاريع التي تربطها علاقة بالمستوطنات.

سرقة أراضٍ

وأضفى الاعتراف الدولي المتصاعد بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وتطلعاته القومية شكلا من المصداقية على المفاوضات الجارية. ويرى مراقبون في هذا تعزيزا للمفاوض الفلسطيني المجرد من اي سلاح سوى حقوقه المشروعة ومواصلة المطالبة بها والإصرار على تحقيها. فيما يقلل المفاوضون من جهة أخرى من شأن هذا الدعم الدولي غير الكافي، ما لم يرتقِ لمستوى موقف موحد ضاغط على إسرائيل، لوقف سياستها المتمثلة بسرقة الوقت والأرض معاً من خلال التحايل على طاولة المفاوضات.

خلق منافذ

ويشير المحلل السياسي أحمد رفيق عوض إلى أن الحكومات الإسرائيلية بشكل عام واليمينية بشكل خاص تستغل أي فرصة سانحة للاستمرار في سياستها، التي لم تتوقف قط حتى بعد قيام دولة اسرائيل وطرد الشعب الفلسطيني وتهجيره». ويضيف ان «حكومة بنيامين نتانياهو تحاول عبر المفاوضات الجارية خلق منافذ لاستمرار سياستها التوسعية التي عكفت على تصعيدها بشكل لافت، ورغم العودة للمفاوضات إلا أن هذه السياسة ظلت مستمرة دون هوادة».

كسب وقت

من جانبه، يؤكد خبير الاستيطان عبدالهادي حنتش لـ «البيان» أن إسرائيل تواصل عملياتها الاستيطانية التوسعية بالتزامن مع المفاوضات، معتمدة على إنجازاتها العسكرية وترسانتها القوية وتحالفاتها الاستراتيجية. ويضيف حنتش: «مرة أخرى اسرائيل تستغل اليوم العملية السلمية نفسها والمفاوضات مع الفلسطينيين لمتابعة ذات السياسية، وتكريس حقائق جديدة على أرض الواقع».

رعاية أممية

وفي الوقت الذي يشاغل المفاوض الاسرائيلي نظيره الفلسطيني بإضاعة الوقت والجهد، لإبقاء الفرصة مفتوحة أمام الاستيلاء على ما تبقى من الأرض، تتصاعد المطالب الشعبية الفلسطينية بتخليص ملف القضية من قبضة الرعاية الأميركية ونقله بالكامل إلى رعاية هيئة الأمم. الا ان حكومة نتانياهو، ككل حكومات إسرائيل، تواصل التحايل على عملية التسوية منذ مؤتمر مدريد العام 1991.

فهي لم ترفض المفاوضات يوما، لكنها تريدها غاية في حد ذاتها، و«دون شروط مسبقة»، وخارج مرجعيات القرارات الدولية ذات الصلة، ومن دون وقف لإجراءات الاستيطان والتهويد. بعكس الفلسطينيين الذين يسعون نحو المفاوضات باعتبارها وسيلة يمكن أن تتمخض عن إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.