«تشويه المعارضة» نهج سارت عليه جل الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم مصر على مر تاريخها عبر إلقاء التهم بشكل جزافي عليها في محاولة غل يديها على الصعيد السياسي، وهو احد كروت اللعب السياسية التي يعرفها المصريون على ما يرى مراقبون، إذ استخدمت السلطات على مر التاريخ بعض الآليات لمواجهة المعارضين مثل اتهامهم بـ«العمالة للغرب»، أو توجيه اتهامات إليهم بإهانة رئيس البلاد وزعزعة الأمن و الاستقرار أو الحصول على تمويل أجنبي أو «تلفيق» تهمة إليهم، باستخدام أجهزة أمنية ذات قبضة حديدية قوية.
واستحدث الإسلاميون كما يرى مراقبون آليةً جديدةً من آليات تشويه صورة المعارضين ومواجهتهم لم تكن مستخدمة بالشكل ذاته، وهي آلية «التكفير»، فمع صعود فصائل الإسلام السياسي إلى سدة الحكم وتزامنًا مع أحلامهم بتطبيق نموذجٍ لمشروع إسلامي بالمنطقة، لم يجدوا بدًا سوى إلقاء تُهم التكفير على معارضيهم الذين يحلو لهم نعتهم بـ «المعارضة العلمانية»، إذ تبدى ذلك جلياً من خلال أكثر من شاهد إلى درجة أنّ أحد الدعاة الإسلاميين وقف داعيًا أن «يجعل الله كيد المعارضين في نحورهم»!.
تشدّد فكر
ويلفت المراقبون إلى أنّ «تلك الاتهامات برزت بقوة قبيل تظاهرات 30 يونيو المرتقبة، والتي يتخوّف منها بقوة المستفيدون من السلطة، وفصائل الإسلام السياسي بوجه عام، مشيرين إلى أنّ المُعارض المُخالف لتوجهات ورؤى القوى الإسلامية في الحكم تحول من كونه مجرد معارض سياسي إلى «كافر»، مرجعين ذلك إلى الفكر المُتشدّد أو الراديكالي الذي مازالت تؤمن به تلك العناصر الإسلامية»، فضلاً عن أنّ الرئيس يعتقد أنّه خليفة الله في الأرض، وأنّ الدين حكر على جماعة الإخوان المسلمين، مضيفين أنّ «الأزهر الشريف لعب دوره التاريخي في المحافظة والدفاع عن الوسطية وسماحة الإسلام وأعلنها صراحة أنّ الخارجين في 30 يونيو ليسوا كفارًا ولا يجب استحلال دمائهم، بعد سيل من الفتاوى التي خرجت من دعاة التيار الإسلامي المُتشدّد».
ولعل من أبرز الأمثلة لتكفير المعارضة كان الداعية الإسلامي وجدي غنيم وغيره، والذين عزّزوا طيلة الفترة الأخيرة من حالة الجدل بالمشهد المصري، في وقتٍ أكد فيه مراقبون على كون تنظيم الإخوان مُصرًا على أن يحوّل دفة الصراع إلى صراع مذهبي، وكأن المعارضين كفار!.
مطامع سلطة
وأكّد إمام وخطيب مسجد عمر مكرم بميدان التحرير الشيخ مظهر شاهين أنّ أنصار جماعة الإخوان كفّروا الثوار، واتهموهم بالخروج على الإسلام، قائلاً: «من يُكفر مسلماً فهو كافر»، مضيفاً أنّ «جماعة الإخوان على استعداد لتخريب مصر وهدمها بشرط المحافظة على السلطة لأنهم يسعون منذ بداية تاريخهم السياسي في مصر للوصول للحكم، ولا شيء غيره لتحقيق أجندتهم للهيمنة والسيطرة على البلاد.
دعوات تظاهر
ودعا شاهين إلى النزول يوم 30 يونيو الجاري أمام قصر الاتحادية، وبمختلف ميادين مصر لاستكمال ثورة 25 يناير، التي سرقها أعضاء جماعة الإخوان على حد قوله، مطالبًا القوات المسلحة بالوقوف خلف المتظاهرين ودعمهم وعدم السماح لمؤيدي الرئيس مرسي بإثارة الفوضى وإراقة الدماء، كما طالب الشرطة بالالتفاف حول الثوار والرجوع مرة أخرى لشرعية الشعب والتحرر من هيمنة وتبعية النظام الحاكم.
وأشاد بدور الأزهر الشريف في تبني الوسطية التي تحافظ على أمن وسلامة مصر، مؤكدًا على أنّ ما ذكره الأزهر الشريف بأنّ تكفير المسلمين هو خارج عن شرعية الدين الإسلامي دليل على صمود هذه المؤسسة الجليلة أمام محاولات جماعة الإخوان لأخونة مؤسسات الدولة، مطالبًا في الوقت ذاته أقباط مصر بالالتفاف حول الثوار لأنّهم أبناء هذا الشعب، وأنّ محاولات النظام الحاكم بترهيبهم لن تجدي لأن مصر هي ملك الجميع.
تحوّل مفهوم
يرصد المُفكر القبطي إكرام لمعي في تصريحات لـ «البيان» تحوّل شكل وطبيعة المعارضة السياسية في زمن الإخوان قائلاً: «المُعارض في عهد النظام السابق أو بشكل عام خلال عهد الأنظمة السابقة كان مُجرد مُعارض سياسي فحسب تسري عليه شكل وآليات التعامل مع المعارضين، أما ومع صعود الفصائل الإسلامية وتمكّن جماعة الإخوان من الحكم فإن البعض أبدى مخاوفه أن تدفعها المرجعية الإسلامية من أجل تكفير المعارضين، وحذرنا من ذلك غير مرة، وها هو الأمر يتحقّق في كل بادرة خلاف بين المعارضة والسلطة، إذ تحوّل المعارض إلى كافر، ومن ثم فيستبيحوا استخدام العنف ضده ومواجهته بكل الطرق وكأن الأمر تحول إلى حرب مذهبية بين فريقين أحدهما مسلم والطرف الآخر كافر!».
تابع لمعي: «جماعة الإخوان أهدرت مبدأ المواطنة، كما أنّ الفتاوى التي تخرج من عدد من المشايخ السلفيين أو غيرهم تؤكّد على أنّ هناك مشكلة خطيرة تبدو في الأفق ربما تتطوّر لتعزّز من اقتراب شبح استخدام العنف».