من جديد، وبعد أقلّ من يومين من حصوله على دعم الرئيس الأميركي المرفق بدعوة رسمية لزيارة البيت الأبيض، عاد رئيس الوزراء الإيطالي انريكو ليتّا ليجد مصير حكومته «على كف عفريت» بعد صدور قرار المحكمة الدستورية لحسم خلاف نشب بين رئاسة الحكومة (في مارس 2010 إبان حكومة بيرلسكوني) ومحكمة ميلانو التي قضت بسجن بيرلسكوني لأربع سنوات وإقصائه من الوظائف العامة لخمس سنبن، وكانت المحكمة ذاتها رفضت قبول حق بي لسكوني بالاستفادة «المانع القانوني» للتغيّب عن حضور جلسات الاستجواب الخاصة بقضية التلاعب الضريبي عبر مؤسسة التلفزيونية الضخمة المعروفة باسم «ميديا سيت».
وكان محامو بيرلسكوني آنذاك طلبوا إرجاء الجلسات «لانشغال الرئيس بيرلسكوني باجتماع هام لمجلس الوزراء». المحكمة الدستورية اعتبرت في قرارها الأخير «عدم كون اجتماع مجلس الوزراء مانعاً ضرورياً عن ضور جلسة المحاكمة» ما يعني اعتبار قرار محكمة الاستئناف «قانونياً» وأن ملف القضية سيصل إلى محكمة النقض للحكم النهائي، ولا يُستبعد أن تقرّر هذه المحكمة نفس الحكم، وهو ما سيُفقد بيرلسكوني حق عضوية البرلمان، كونه محكوماً بحكم نهائي.
عامل تسريع
ويبدو قرار المحكمة الدستورية عامل تسريع في أزمة الحكومة الحالية القائمة على تحالف غريب بين نِدّين، كسر أحدهما عظام الآخر حتى نهاية شهر مايو الماضي، واضطُرّا إلى التحالف في حكومة هجينة قد تنهار في اية لحظة، سواء بسبب ما يعتبره بيرلسكوني «حصان طروادته» للانتخابات المقبلة في الخريف القادم، أي قضية الضريبة على المنزل الأول.
والذي يطالب بالغائها وإعادة ما جبته الدولة في هذا الشأن العام الماضي (ثمانية مليارات يورو في مرحلة أزمة اقتصادية كالتي تعيشها ايطاليا وأوروبا) أو بسبب قرار المحكمة الدستورية الأخير، والذي يعتبره حزب بيرلسكوني وزعامته «مجزرة قضائية لإعدام الخصم عبر المحاكمات» ويتّهم بيرلسكوني ومناصروه القضاء الايطالي كونه «سلطة شيوعية» داخل الدولة الديمقراطية.
وبعد ان كان برلمانيو حزب بيرلسكوني تظاهروا يوم صدور الحكم على زعميهم واقتحموا مبنى المحكمة، فيما اعتُبر حينها «محاولة لترهيب القضاة»، فقد توعّد البرلمانيون هده المرّة باتخاذ خطوات عملية راديكالية «للدفاع عن الزعيم الذي صوّت له أكثر من تسعة ملايين ناخب في الانتخابات الأخيرة».
وبصرف النظر عن الإحصاء الدقيق للأصوات، والخسارات التي مني بها هو وحزبه في الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت في العاصمة روما ومقاطعات أخرى، فإن ثمة قناعة لدى بيرلسكوني وأنصاره أن «المباراة»، بلغت جولتها الأخيرة، وينبغي اتخاذ خطوات توقف انهيار كامل، بعد ان أبرزت الانتخابات الاخيرة ان لا وجود لحزب بيرلسكوني دون الزعيم نفسه.
توجيه رسائل
وفي هذا الصدد بدأت زعامات الحزب بتوجيه رسائل لا لبس فيها، ففيما أكدت البرلمانية والوزيرة السابقة ستيفانيا بريستيجاكومو أن «الحزب لن يقف مكتوف الأيدي فيما يتم إقصاء زعيمنا»، فقد رفع أحد قياديي الحزب اليمينيين، نائب رئيس مجلس الشيوخ، ماوريتسيو غاسبارّي سقف التهديدات ملمّحاً بـ«استقالة جماعية لكامل عدد البرلمانيين» ما سيعني حل البرلمان والدعوة الى انتخابات مبكّرة، تُدخل البلاد مجدّداً في نفق «اللاحكم» والمجابهة في مرحلة عصيبة للاقتصاد الايطالي الذي لا يني الكثير من المحللين عن مقاربته بالنموذج اليوناني.
غير أن تهديداً من هذا النوع ليس سهل التنفيذ، بالذات في مرحلة تزداد فيها القناعة أن ما يسمى، منذ ما يربو على عقدين، بـ «عصر البيرلسكونية» آيل إلى نهاية محتومة. وتُدلّل على ذلك أيضاً محاولات أطراف اليمين الإيطالي والتيارات القريبة من الفكر الفاشي، لمّ الشمل وإعادة أسلحة المواجهة فيما بينها إلى المشاجب، والبحث عن تركيبة جديدة تعيدهم الى الواجهة السياسة التي تبدو وكأنها طوت صفحة التحالفات الجامعة لتيارات متباينة يوحدها التضاد مع الخصم أكثر من توحّدها حول فكرة أو استراتيجية محدّدة.
ولا يقتصر الأمر على اليمين فحسب، بل ينسحب ذلك على يسار الوسط ايضاً، وبالذات الحزب الديموقراطي، الذي سيواجه في الخريف القادم امتحاناً عسيرا حين سيعقد مؤتمر المواجهة بين تياراته المختلفة والمتباينة بعمق.