يختلف الفلسطينيون في تحليلهم لمشهد مسرح الانقسام وما يعتبره البعض تمثيلية المصالحة التي تعرض يوميا على شاشات التلفزة ووسائل الإعلام المختلفة، وإن كان عامة الشعب الفلسطيني اجتهد في بدايات الانقسام لمعرفة المتسبب الحقيقي في هذه الحالة الفلسطينية الشاذة، وكشف النقاب عن الفصيل الذي يعطل المصالحة من بين الغريمين «فتح» و«حماس»، إلا أن الحال تبدلت وأصبح الهم الفلسطيني الأكبر طي هذه الصفحة حتى لو بقيت أسبابها وخفاياها حبيسة دائرة الكتمان.
برود شعبي
وتحولت مشاعر الفلسطينيين الملتهبة حرقة على غربة القطاع عن الضفة إلى رماد بعد سنين طويلة مرت ونار المصالحة مشتعلة تتلاعب فيها رياح الشرق والغرب.
كذلك، مرّت ذكرى سيطرة «حماس» على غزة هذا العام ببرود شعبي بسبب يأس الجمهور الفلسطيني، فمنذ وقوع الانقسام في الرابع عشر من يونيو عام 2007 جرت عشرات اللقاءات بين الفصائل الفلسطينية، وتم التوصل إلى الكثير من الاتفاقيات أهمها اتفاقات صنعاء والقاهرة و «الدوحة» و «النقاط الثماني»، والاتفاق الأخير الشهر الماضي، لكن شيئاً من هذه الاتفاقات لم يجد طريقه إلى التطبيق.
رؤية مختلفة
وترى حركة «فتح» وأنصارها ومن قاربها من الفصائل الفلسطينية والأحزاب والهيئات الحقوقية والقانونية وغيرها في الانتخابات حلا وحيدا للخروج من الأزمة، داعين إلى تنصيب صندوق الاقتراع حكما لإنهاء الانقسام، بينما تدعو حركة «حماس» إلى العودة لقاعدة الشراكة من اجل تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام .
ويرى المحلل السياسي معتصم عوض في حديثه لـ«البيان» ان طريق صندوق الاقتراع أقرب بكثير من درب الشراكة، مضيفا إن «الشراكة بحاجة إلى أرضية خصبة وأساس متين من ثقة كبيرة مفقودة بين الخصمين تجعل من الشراكة في الوقت الحالي خيارا صعب المنال».
غياب الثقة
وفي ذات السياق، يؤكد مسؤولون في الحركتين بأن العائق الرئيس أمام المصالحة هو غياب الثقة بينهما. فحركة «حماس» تخشى من أن حركة فتح تخطط لإخراجها من النظام السياسي عبر الباب الذي دخلت منه واستعادة قطاع غزة. وحركة «فتح» تخشى من أن «حماس» تخطط للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، عبر المصالحة، كما سيطرت على قطاع غزة، مؤكدة ان «عقلية حماس قبلت خيار الديمقراطية والانتخابات لمرة واحدة عام 2007 وما زالت ترفض العودة لهذا الخيار خوفا من ان ينفضها صندوق الاقتراع خارج حدود التوقعات والآمال الحمساوية».
تعثر واضح
من جهته، يؤكد الناقد ذياب محاميد لـ«البيان» ان ما يرشح من معلومات حول لقاءات الوفود المجتمعة ينم بشكل جلي وصريح عن ان هناك تعثرا واضحا في الاتفاقيات الموقعة وفي آلية تطبيقها.
ويضيف «أكاد أجزم أن هذه اللقاءات هي لقاءات للاتفاق على المحاصصة وليست من أجل المصالحة، فما هو في غزة لغزة وما هو في الضفة للضفة».
ويؤكد محاميد أن تطبيق ما اتفق عليه يبقى رهن التأجيل، تارة حسب وضع حركة «حماس» الداخلي وعلاقاتها العربية والإقليمية المتداخلة والمرتبكة في الفترة الأخيرة، وتارة نتيجة حال الضفة الغربية وضيوفها الباحثين عن ساحة تفاوضية جديدة.
عدوى الانقسام
انتشرت عدوى الانقسام الفلسطيني لتطال المؤسسات المختلفة الحقوقية والقانونية والأهلية والخدماتية والتعليمية وغيرها التي انقسمت بين الخصمين «فتح» و«حماس»، وحتى المحللين السياسيين أنفسهم اختلفوا باختلاف انتماءاتهم المباشرة أو غير المباشرة. أما بالنسبة لفصائل اليسار الفلسطيني فانقسمت هي الأخرى بين ضفة الحياد وشاطئ الانخراط في كواليس الانقسام ودهاليزه المتعددة، حتى فترة قريبة رفض فيها اليسار الفلسطيني المشاركة في أي حكومة فلسطينية غير حكومة الوحدة الوطنية التي يفترض أنها الطريق الذي اتفق عليه للخروج من مسرح الانقسام وتمثيلية المصالحة.