على الرغم من الأزمات التي واجهته منذ وصوله إلى الحكم في مايو 2010، إلا أن علاقة التفاهم والصداقة الشخصية بين ديفيد كاميرون ونيك كليغ أسهمت بشكل كبير في المحافظة على تماسك الائتلاف الحكومي في بريطانيا.
ونجح رئيس الوزراء البريطاني، إلى غاية هذه اللحظة، في قيادة سفينة الائتلاف الحكومي من خلال عقد التحالفات والصفقات وتأجيل مشاريع قوانين حساسة سواء لأعضاء حزبه أو لشركائه في الائتلاف. ولكن هذا التأجيل بدأ يصطدم مؤخراً بالوعود الانتخابية لحزبي الائتلاف والأزمات الداخلية الملحة التي تواجه الحكومة.
تحديات جمة
وفي منتصف فترة الأعوام الخمسة من عهد الحكومة الائتلافية، يواجه رئيس الوزراء البريطاني وزعيم حزب المحافظين تحديات عدة؛ حزبية وائتلافية داخلية، تضاف إلى التحديات الجدية التي تواجهها حكومته، ولاسيما في الملف الاقتصادي الذي يحاول الحد من تداعياته، فضلاً عن تراجع ثقة البريطانيين في قدرة زعمائهم على الخروج بالبلاد من مشاكلها الاقتصادية الحالية منذ الإعلان عن التخفيضات الحادة في الإنفاق في 2010 جراء الأزمة الاقتصادية.
كليغ ينسحب
وتشهد الساحة البريطانية الداخلية سجالاً سياسياً حول قضايا عدة، أبرزها مستقبل الائتلاف الحكومي القائم الذي يضم كلاً حزب المحافظين والديمقراطيين الأحرار، وسط تكهنات تشير إلى نية «الديمقراطيين الأحرار»، بزعامة كليغ، الانسحاب من حكومة كاميرون لحفظ ماء وجه الحزب أمام ناخبيه، بعدما فشل في الوفاء بوعوده الانتخابية، ولاسيما تعهده للطلاب الذين أوصلوه إلى الحكومة بعدم السماح برفع أقساطهم الجامعية، ووعده بإصلاح مجلس اللوردات.
واعتبر المراقبون ان خطوة «الديمقراطيين الأحرار» تعتبر «محاولة للقفز من السفينة التي بدأت تغرق». ومن المتوقع أن يواجه كاميرون خلال الفترة المقبلة تحديات عدة، أبرزها تراجع شعبيته في أوساط حزبه في ظل تزايد التمرد على مقترحات مشاريعه التي تلقى معارضة كبيرة.
كما واجه كاميرون سابقا تمردات عدة قام بها أعضاء حزبه، أبرزها وقوفهم ضد سياسته المتعلقة بالرعاية الصحية، فضلاً عن انتقاده بسبب امتناع لندن عن التصويت في الأمم المتحدة على قبول فلسطين كدولة غير عضو بصفة مراقب في المنظمة الدولية، ودعمه تشريعاً يسمح للمثليين الجنسيين بعقد قرانهم في أماكن العبادة من كنائس ومساجد ومعابد.
ازدياد الفجوة
ومنذ تشكيل الحكومة الائتلافية والفجوة بين الحزبين تزداد، ولاسيما في مجال ملفات الهجرة وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى ملف إصلاح مجلس اللوردات الذي يعتبر ورقة التين الأخيرة لحزب الديمقراطيين الأحرار، وورقة المساومة الرئيسية له أمام «المحافظين». وبطبيعة الحال، فإن كلا الحزبين في حاجة إلى بعضهما البعض.
فالنسبة إلى «الأحرار»، تشكل مشاركته في الحكومة الائتلافية الحالية التجربة السياسية الأولى له. ولذلك، فإن استمرار تماسك الائتلاف الحاكم يشكل ضرورة أساسية لاستمرارية الحزب واكتسابه الخبرة السياسية اللازمة للانتخابات المقبلة.
ولكن عدم قدرته على الوصول إلى حلول وسط مع شريكه في الائتلاف، ولاسيما في ملف إصلاح مجلس اللوردات، قد يدفعه إلى الهروب إلى الأمام من أجل الحفاظ على قاعدته الانتخابية من خلال الانسحاب من الحكومة والانضمام إلى حزب العمال المعارض.
في المقابل، أشارت تقارير إعلامية عدة إلى أن «المحافظين» شرع مؤخراً في إعداد خطة طوارئ لإدارة الحكومة في ظل تزايد المخاوف من عدم قدرة كليغ على السيطرة على حزبه والوصول به إلى الانتخابات المقبلة في 2015.
الاتحاد الأوروبي
وزاد عدد أعضاء البرلمان البريطاني التابعين لحزب المحافظين من احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما يشكل أبرز التحديات التي تواجه رئيس الوزراء والتي دفعت أيضا عدداً كبيراً من أعضائه إلى التمرد عليه، خاصة أن خروج بريطانيا أصبح خيارا أكثر واقعية، ولأول مرة منذ 30 عاما.
وتواجه قيادة كاميرون ضغوطات داخلية من أعضاء حزبه تطالبه بإجراء استفتاءين بشأن أوروبا خلال العام المقبل حول الصلاحيات التي يريد الناخبون استعادتها من بروكسل، يعقبه استفتاء ثانٍ بعد إعادة التفاوض على علاقة بريطانيا بالاتحاد.
وتلقى رئيس الوزراء البريطاني صفعة موجعة من حزبه عندما أيد حوالي ثلث النواب المحافظين تعديلا في جدول الأعمال التشريعي للحكومة بشأن إجراء استفتاء على عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي.
وصوت أكثر من 130 نائباً، بينهم نحو 110 من المحافظين، لصالح تعديل «يعرب عن الأسف» لعدم إدراج خطط الاستفتاء بشأن عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، في جدول الأعمال التشريعي للحكومة الأسبوع الماضي.
وعلى الرغم من ذلك، رفض 277 نائبا الاقتراح، مقابل 130 أيدوه. وجاء التمرد مخالفا لتوقعات كاميرون الذي أمر في آخر لحظة بنشر مشروع قانون يتضمن إجراء استفتاء بشأن العضوية في الاتحاد الأوروبي بحلول العام 2017.
حزب الاستقلال
وفي هذه الأجواء، يواجه رئيس الوزراء البريطاني تحدياً على زعامة حزب المحافظين، جراء صعود حزب الاستقلال، بزعامة نايغل فاراغ، المناهض لعضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي وانتشار شعبيته.
وقالت صحيفة «صندي بيبول» مؤخراً إن ما يصل إلى 70 نائباً من نواب حزب المحافظين مستعدون لتوقيع رسالة تدعو إلى حجب الثقة عن كاميرون، جراء قلقهم من أن صعود حزب الاستقلال سيؤدي إلى فقدان مناصبهم في الانتخابات العامة المقررة العام 2015 .
وأضافت أن النواب يحتاجون إلى جمع تواقيع 46 نائباً آخرين حتى يتمكنوا من تحدي زعامة كاميرون على الحزب. ودفعت الخلافات بين أعضاء الحزب إلى التهديد بالانضمام إلى حزب الاستقلال المعادي للاتحاد الأوروبي والهجرة.
وهددت النائب نادين دوريس، التي أعادها الحزب إلى صفوفه بعد ان كان علق عضويتها في الحزب في نوفمبر الماضي، بالانضمام إلى حزب الاستقلال في حال استمرار حزبها في تبني سياسته الحالية. كما كشف رئيس حزب الاستقلال أن نحو 15 عضوا من حزب المحافظين يفكرون بالانضمام إليه.
اتهامات وانتخابات
وعلى المستوى الداخلي، يوجه أعضاء كلا الحزبين الاتهامات لقيادتهما بأنهما تخليا عن مصالح وأهداف ومبادئ الحزب من أجل تحقيق مصالح سياسية والبقاء في الحكم.
واستأثر حزب الديمقراطيين الأحرار بنصيب الأسد من تلك الاتهامات، حيث يوجه عدد كبير من أعضاء الحزب اتهامات لقياداته النخبوية بأنها حرفت الحزب عن مبادئه وأهدافه التي انتخب بناء عليها من اجل ضمان البقاء في السلطة، خاصة ان الحزب لم يستطع حتى الآن الوفاء بوعوده الانتخابية.
وساهمت التجاذبات بين أطراف الائتلاف الحاكم والسياسات الصارمة لتخفيض العجز والإنفاق في تراجع شعبية الحزبين والحكومة بشكل عام، وهو ما عكسته الانتخابات المحلية التي حقق فيها حزب الاستقلال قفزة تاريخية.
فقد حصد الحزب مئة وسبعة وأربعين مقعداً، مقابل ثمانية مقاعد فقط فاز بها في الانتخابات السابقة. ويقول فاراغ عن الائتلاف الحاكم: «لقد قاموا بتوقيع عقد انضمامنا السياسي إلى أوروبا دون مشورتنا.
نحو خمسة وسبعين في المئة من قوانينا تقرر في الخارج». ويردف: «نريد علاقات مع أوروبا، نريد تجارة مع أوروبا، نريد أن نكون أصدقاء لأوروبا، لكن لا نريد أن تحكمنا بروكسل».
ويرى مراقبون أن فوز حزب الاستقلال يعتبر مؤشرا على توجه المجتمع البريطاني نحو اليمين بسبب الأزمة الاقتصادية التي تواجهها بلادهم، معتبرين ان الناخب البريطاني أراد من خلال انتخابه لحزب الاستقلال التعبير عن سخطه من السياسات الحالية التي تنتهجها حكومة الائتلاف.
استطلاع
لم يغب ملف الاتحاد الأوروبي والخلاف بين أعضاء حزب المحافظين على عضويته عن الساحة الداخلية البريطانية في ظل الاستطلاعات التي تشير إلى أن 46 في المئة من البريطانيين يريدون الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقابل 35 في المئة يريدون العكس.
فقدان السيطرة
صرح زعيم حزب العمال البريطاني المعارض إيد ميليباند في أكثر من مناسبة أن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون «فقد السيطرة تماماً على حزبه»، وأن أعضاء الحزب «منقسمون على أنفسهم بشأن أوروبا، ولا يحلون مشكلات البلاد»، قائلاً إن «قيادة كاميرون الضعيفة لحزبه سرعت من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».