يلمح المتتبع للمشهد السياسي في ليبيا أن الانقسام المجتمعي بات من أبرز الظواهر التي عرفها هذا البلد عقب الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالعقيد الليبي الراحل معمر القذافي رغم أن النخب السياسية الليبية تحاول تجاهل هذا الانقسام الذي يتهدّد مستقبل بلادهم.
وفي حين مثّلت مأساة مدينة تاورغاء الساحلية ضربة موجعة للسكان من ذوي البشرة السوداء بعد تهجير عشرات الآلاف منهم ودفعهم إلى مخيمات معزولة في مناطق مختلفة، وهدم منازلهم من قبل الميليشيات المسلحة، تشعر أغلب القبائل البدوية في وسط وغرب وجنوب ليبيا بأنها لا تزال تدفع ثمن ولائها للقذافي ورفضها تدخّل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مجريات الثورة خلال العام 2011، ويجمع المتابعون للشأن الليبي أن سكان مدينتي سرت وبني وليد كانوا الأكثر تضرّرا من الحرب حيث دفعوا أكبر عدد من الضحايا في المواجهات المسلحة، وهم يشعرون اليوم بأنهم لا يزالون في حرب نتيجة الملاحقات الأمنية المستمرة لأبنائهم، وعجزهم عن الوصول إلى أبنائهم المفقودين في السجون السرّية في مدينة مصراتة.
وفي أواخر أبريل الماضي دفنت بني وليد العشرات من شبابها الذين تعرّضوا للتصفية في معتقلات خارج سيطرة الدولة دون محاكمة.
مصراتة والثأر
وتعتبر بني وليد التي يسكنها حوالي مئة ألف نسمة عاصمة لقبائل ورفلّة التي يبلغ منتسبوها حوالي مليوني نسمة موزعين على كامل مناطق البلاد ويأتمر أغلبهم بأوامر المجلس الاجتماعي للقبيلة الذي يوجد مقرّه الرئيس في بني وليد، وفي سبتمبر الماضي تعرّضت المدينة الى حملة عسكرية قادتها مجموعات مسلحة من مصراتة وبعض المزن المتحالفة معها مثل سوق الجمعة وجنزور والزاوية وأدت إلى مقتل المئات، وتهجير الآلاف، وكان اللافت في تلك الحملة أنها حملت شعار قوات درع ليبيا، في حين أنها انتهت باحتفال قاده المسلّحون المهاجمون في كتيبة «السويحلي» لرفع صورة الزعيم التاريخي لمدينة مصراتة رمضان السويلحي وذلك ثأرا لمقتله في بني وليد العام 1920 من قبل قوات الزعيم التاريخي لقبائل ورفلّة عبدالنبي بالخير.
وتذكر المراجع التاريخية أن السويحلي وبالخير كانا صديقين وشاركا معا في إعلان قيام الجمهورية الطرابلسية كأول جمهورية عربية في نوفمبر 1918 بمدينة مسلّاتة، غير أن خلافات جدّت بينهما في ما بعد، حيث تتهم قبائل ورفلة رمضان السويلي بالتحالف مع الإيطاليين في الهجوم على مدينة بني وليد لاحتلالها العام 1920 كآخر مدينة ليبية تخضع للقوات الإيطالية بسبب صعوبة تضاريسها المتكونة من أودية وجبال وصلابة أهلها.
حل سريع
يرى المراقبون أن الوضع الليبي يحتاج إلى حل سريع يقضي بعودة المهجرين إلى الخارج والذين يبلغ عددهم حوالي مليونا و700 ألف مواطن، ومهجّري الداخل وخاصة من مدينتي تاورغاء وغدامس، وبإعلان المصالحة الشاملة، وإلغاء قانون العزل السياسي، وحل الميليشيات، وبسط نفوذ الدولة، حتى لا يكون انقسام المجتمع دعامة للإرهاب مما قد يصل بالبلاد الى تدخّل خارجي جديد يفتح عليها باب الفوضى الشاملة.