لا يزال التوتّر سيد الموقف في سيناء، ففيما تراوح أزمة الجنود السبعة المختطفين مكانها، قررت السلطات انتداب قوات صاعقة لبدء عملية تحريرهم، فيما يواصل عناصر الشرطة إغلاق معبر رفح احتجاجاً على الاختطاف، لتتقطع السبل بالمئات من أهالي غزّة العالقين في المعبر ينتظرون دخول القطاع.
وشدّد مصدر أمني مصري كبير على أنّ صبر بلاده آخذ في النفاد، لافتاً إلى أنّ خاطفي الجنود السبعة في سيناء يدفعون السلطات إلى المواجهة بعد زيادة المطالب عن الحد الممكن والمسموح.
وأضاف المصدر ذاته في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية أمس، أنّه «لا يمكن السكوت طويلاً على مهزلة خطف الجنود ومنهم جنود من القوات المسلحة»، مردفاً: «إننا نعطي مساحة للتفاوض مع الخاطفين إلى حين تعثّرها ولكن الخاطفين يدفعوننا للأسف للمواجهة بتعنتهم الشديد».
من جهته، قرّر وزير الدفاع المصري إرسال فرقة صاعقة قتالية كبيرة إلى سيناء في خلال 48 ساعة القادمة في محاولة لتحرير الجنود السبعة المخطوفين من قبل الجماعات الجهادية.
وأبان مصدر عسكري رفيع في الوزارة أنّ الفريق اول عبد الفتاح السيسي قرّر هذه الخطوة، مضيفاً أنّ الإجراء يأتي في ظل تعتنّت رفض الخاطفين في الإفراج عن الجنود قبل الإفراج عن جميع المتهمين المسجونين في أحداث تفجيرات سيناء.
احتجاج شرطة
على الصعيد ذاته، أفاد شهود عيان أنّ «أفراداً غاضبين من الشرطة المصرية واصلوا إغلاق معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة أمس احتجاجا على اختطاف سبعة من زملائهم في محافظة شمال سيناء كان عدد منهم يعمل مع الشرطة بالمحافظة». وقال أحد أفراد الشرطة المحتجين: «لن نفتح المعبر قبل تحرير الجنود المختطفين وحضور وزير الداخلية للاستماع إلى مطالبنا لمنع تكرار الاعتداءات علينا».
مفتوح خيارات
في الأثناء، أكّد مدير أمن شمال سيناء اللواء سميح بشادى أنّ كل الخيارات مفتوحة في التعامل مع خاطفي الجنود السبعة في سيناء، مردفاً: «لم نيأس بعد والأمل مازال موجوداً فى إنهاء المشكلة ولكن لا يمكن الانتظار أكثر، لا سيّما أنّ الجنود وأفراد الأمن في معبر رفح البري يعتصمون في المعبر ويغلقونه من الجانبين ما أدى الى تكدّس الفلسطينيين العالقين على المعبر على حد قوله.
اتصالات حماس
من جهتها، قالت الحكومة الفلسطينية المقالة التي تديرها حركة حماس في غزّة أمس، إنّ «الاتصالات لا تزال مستمرة مع أعلى المستويات في مصر لفتح معبر رفح وعودة العالقين سواء مواطنين أو نواب أو مسؤولين».
وأعرب وكيل وزارة الخارجية بالحكومة المقالة غازي حمد، عن أمله بحل أزمة المجنّدين المصريين المختطفين بأسرع وقت، مؤكّداً أنّ «الحكومة قامت بإجراءات مكثّفة في منطقة الحدود والأنفاق لتطويق أي تداعيات أمنية وميدانية».
بدوره، دعا الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري إلى إعادة فتح معبر رفح، لافتاً إلى أنّ «إغلاقه غير مبرّر ويتسبب في الأضرار لمئات المرضى وذوي الحاجات والعالقين من جانبي المعبر»، مشدّداً في الوقت ذاته على ضرورة علاج أي مشاكل مصرية داخلية بعيداً عن التأثير على الشعب الفلسطيني.
إلى حين إشعار
في السياق، قال مدير المعابر والحدود في حكومة حركة حماس المقالة ماهر أبو صبحة في تصريحات صحفية له، إنّ «فشل الجهود المصرية بالإفراج عن المجندين السبعة في شمال سيناء يبقي معبر رفح على حاله مغلقا حتى إشعار آخر».
وذكر أبو صبحة أنّ «اتصالات تجرى لإقناع المحتجين المصريين بأنّ قطاع غزة لا علاقة له باختطاف زملائهم وأنّ الجهة الخاطفة معروفة، ويتم الآن التفاوض معها». وأشار إلى أنّ «المعبر سيبقى مغلقا على حاله إلى حين انتهاء الاعتصام الفردي المنظم على الجانب المصري»، مؤكدا وجود تواصل مع الشرطة المصرية لإنهاء الأزمة.
أوضاع عالقين
وإثر الإغلاق المفاجئ للمعبر الاستراتيجي، تقطّعت السبل بأهالي قطاع غزّة العالقين في الجانب المصري بعد حرمان المئات من المرضي والطلاب والموظفين بالخارج العائدين من العبور لغزّة، إذ ينتظر بينما ينتظر حوالي 800 مسافر على الجانب المصري منذ أول من أمس الدخول إلى القطاع.
بؤرة توتر ومستودع أزمات
سيناء.. بؤرة توتّر ومستنقع أزمات ما جعلها تشكّل عبئاً ثقيلاً على مديري دفّة السياسة في مصر، أمرٌ تمخّض جدلاً لا ينتهي إذ تصدّرت المشهد لاسيّما في أعقاب تمكّن جماعة الإخوان المسلمين من اعتلاء سدّة الحكم.
وشهدت المنطقة المتوتّرة جملة من الملفات الخطيرة على ما يرى مراقبون أبرزها ما يثار حول رؤى جماعة الإخوان استخدامها وطناً بديلاً للفلسطينيين، الأمر الذي أثيرت حوله علامات استفهام بالجملة، كما شهدت سيناء عدداً من الحوادث الخطيرة في زمن الإخوان، أبرزها حادث مقتل الجنود المصريين برفح في رمضان الماضي، فضلاً عن الحادث الذي وقع الخميس الماضي الخاص بعملية اختطاف الجنود السبعة في سيناء.
ويرى مراقبون أنّ «عملية الاختطاف ما هي إلّا مخطط إخواني بالتعاون مع جهاديّ سيناء لإحراج الجيش»، مضيفين أنّ «جماعة الإخوان المسلمين تريد إظهار السيسي بموقف الضعيف الذي لا يستطيع حماية جنوده في سيناء»، فيما ألقى آخرون بالمسؤولية على حركة «حماس»، بينما راح آخرون يلقون بالمسؤولية على الجانب الإسرائيلي، بيد أنّ الثابت أنّ كل تلك الأزمات ولدت من رحم الأزمة الأمنية القوية التي تشهدها مصر حالياً وخاصة منطقة سيناء برأي الكثيرين.
استمرار الانفلات
وتعبيراً عن حدّة الأزمة، يؤكّد العضو السابق في مجلس الشعب مصطفى بكري، أنّ «خطف الجنود المصريين السبعة في سيناء على يد مجهولين يعني أنّ الانفلات الأمني في سيناء لا يزال مستمراً والأوضاع تزداد سوءاً»، معرباً عن أمله في ألّا يؤخذ حادث الاختطاف ذريعة لإبعاد السيسي كما فعل مع المشير ورئيس الأركان سامي عنان بعد حادث رفح والذي تشوبه الكثير من علامات الاستفهام، مشدّداً على ضرورة أن يكشف الجيش للشعب حقيقة ما جرى ويجري والمسؤول عن كل ذلك، وخطف الجنود وعدم الإعلان عن نتائج أحداث سابقة حتى الآن واستمرار الانفلات الأمني في سيناء، مشيراً إلى أنّ «مرسي يتحمل مسؤولية كل ذلك قبل الآخرين».
مؤامرة جماعة
في السياق، يشير الناشط السياسي عضو جبهة الإنقاذ جورج إسحاق إلى أنّ عملية الاختطاف «مؤامرة إخوانية» بالتعاون مع جهادي سيناء لإحراج القوات المسلحة وإظهارها بمظهر عدم القادر على الدفاع عن جنودها، لافتاً إلى أنّ «الإخوان» أرادوا من وراء ذلك قطع كافة الطرق على من ينادى بتمرّد الجيش على الرئيس مرسي، موضحاً أنّ «تكرار واقعة خطف جنود من القوات المسلحة أو الشرطة بمنطقة سيناء، يمثّل اعتداءً على السيادة وخطراً داهماً على الأمن القومي بالمنطقة، لاسيّما عقب إذاعة الخبر في مختلف وكالات الأنباء العالمية».
ويضيف إسحاق أنّ الرئيس محمد مرسي سبق أن أعلن عقب مقتل 16 جندياً برفح أنّه سيتم الإعلان عن المتورطين في المذبحة خلال يومين، فيما لم يبق الآن على ذكرى المذبحة سوى شهرين ولم يتم الإعلان عنهم.
سيطرة جهادية
بدوره، يلفت وكيل مؤسسي حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عبد الغفار شكر، إلى أنّ «سيناء تحت سيطرة جماعات جهادية وبعض عناصر تنظيم القاعدة»، مشيراً إلى أنّ «بعض المجموعات ليست مصرية الجنسية، ولكنها على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين»، موضحاً أنّ «أغلب الجهاديين يتمركزون في منطقة جبل الحلال، وأنّ الجيش قادرٌ على سحقهم، ولكن هناك أوامر رئاسية بوقف العمليات ضد الجهاديين ما يؤكّد أن هناك أيادي خفية تحرك سيناء بدعم الإخوان».
شجب
ندّد مراقبون بعدم تمكّن القيادات الأمنية في الدولة من حسم ملف الأوضاع الأمنية في سيناء والذي تصحبه خطورة بالغة على الأمن القومي المصري الآن، لاسيّما في أعقاب ثورة 25 يناير، وهو الوضع الذي تفاقم بقوة في عهد الإخوان، وتزامناً مع ما أثير حول خلاف بين الإخوان والمؤسسة العسكرية حول العلاقات مع حماس وحول الأنفاق الموجودة بسيناء والتي يدمرها الجيش.