إن تزايد احتمالات انقسام وتفكك العراق إلى دويلات صغيرة، في ضوء التوترات الطائفية الراهنة، بات يُشكل «سيفاً مسلطاً على رقبته» وينذر بعواقب وخيمة على استقرار منطقة الشرق الأوسط ككل.

فحالة الاستقطاب العميقة التي يشهدها الشارع العراقي الآن، سواء على الصعيد السياسي أو الديني، دفعت قادة التكتلات والأحزاب المتناحرة إلى التطرق بشكل صريح إلى احتمالات انجرار البلاد إلى مسارين أحدهما أسوأ من الآخر؛ الانقسام أو الغرق في بحر الحروب الأهلية.

في هذه الأجواء يتسع نطاق الميل لدى العرب السنة نحو الفيدرالية التي ستكون مقدمة للتقسيم، وفي حين نتفهم هذا الميل في ظل المظالم التي يعيشونها، فإن ذلك لا يبدو حلاً عملياً، إذ سيترك جزءاً كبيراً من البلد في قبضة إيران بشكل كامل، ويضر بعموم الوضع العربي.

مزيد من النزاعات

لا شك أن النظام الفيدرالي نظام راقٍ في إدارة الدولة، لكنه خطر في حالة مثل العراق، فربما سيؤدي لمزيد من النزاع بين الأطراف المتنازعة. ولكي يحدث ذلك لابد من الحكومة العراقية التركيز على نقطتين جوهرتين. الأولى وهي بأن السياسيين العراقيين الذين اختاروا الديمقراطية الليبرالية كنموذج لإدارة الدولة عليهم أن يدركوا أن هذا النموذج لا يستقيم مع فكرة مركزية السلطة والقبضة الحديدية. فلابد من التنازل للأطراف بجزء كبير من هذه السلطة وتفعيل دور المجالس البلدية وتحميلها المسؤولية في الكثير من الأمور.

هناك نقطتان تعيقان تطبيق النظام الفيدرالي في العراق. الأولى هي أن مراكز الثروة في العراق موزعة بين الجنوب والشمال، وحصة الوسط والغرب قليلة جداً فأي فيدرالية ستخلق نزاعاً على مصادر الثروة. الثانية هي أن العراق مقسم ديموغرافياً إلى ثلاث مناطق، سنية في الغرب والوسط وشيعية في الوسط والجنوب وكردية في الشمال.

حرمان ويأس

ولابد أن نعرف أن العراق كله يشعر بالوجع من شماله لجنوبه، حتى المناطق الشمالية فيها من الحرمان، فالعراقيون مشتركون في اليأس والإحباط من شمالهم لجنوبهم وفكرة الانفصال لا تحل المشكلة الأساسية في العراق بل ربما ستؤدي لتقسيم العراق، وتقسيم العراق ليس في مصلحة أحد.

وتأتي دعوات التقسيم كامتداد لمشروع نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لتقسيم العراق طائفياً ومذهبياً والذي أطلقه في السنوات الأولى للتجربة العراقية ولاقى الرفض الشعبي والرسمي في العراق لأنه كان يمثل أجندات إقليمية وصهيونية لتقسيم العراق وإضعافه وإبعاده عن أداء دوره المحوري في المنطقة وفي محاولة لتغيير موازين القوى من خلال تقسيم العراق وسوريا لضمان سلامة وأمن إسرائيل التي سخرت أدواتها في المنطقة العربية لتحقيق هذا المشروع المشبوه.

تأزم الوضع

الوضع في العراق بعد عشر سنوات من سقوط نظام صدام حسين ـ يتسم بتصاعد وتيرة التأزيم الطائفي والقومي وعدم الالتزام بالدستور والفشل الذريع في توفير الخدمات الأساسية وانتشار البطالة والفقر المدقع والأمية والتجهيل المتعمد وانتشار الفساد والتفرد باتخاذ القرار تشكل بمجموعها المناخ المناسب لكل أولئك الذين يوجهون الأحداث نحو هاوية الحرب الأهلية.

النتيجة الأكثر توقعاً بعد كل هذه السنوات العجاف هي أن العراقيين على أبواب حرب طائفية عنصرية جنونية تغذيها كل الأطراف التي تريد جزءاً من الكعكة العراقية. هذه الحرب التي إن تفجرت لن تنهي العراق كبلد فحسب وإنما ستترك وراءها مئات الألوف من الضحايا والمآسي والجرائم البشعة وهو ما حصل تقريباً في كل البلدان التي شهدت أهوال الحرب الأهلية ولا أحد يعلم متى ستنتهي وما الآثار الخطيرة المترتبة عليها وكيف سيجد العراقيون انفسهم بعد هكذا مأساة.

السؤال هو إذا كان من غير الممكن أن تعيش مكونات الشعب العراقي في انسجام وود وتعاون وتآخٍ وطني أليس من الأفضل للجميع أن يقدموا تنازلات تجنب ملايين العراقيين كل النتائج المأساوية الناجمة عن الحرب الأهلية خاصة مع السعي الحثيث لبعض الأطراف لتغييب الشركاء الآخرين وإلغائهم من على الخارطة السياسية الاجتماعية.