أحدثت الأنفاق المنتشرة في رفح جنوب قطاع غزّة على طول الحدود مع مصر، تغييرا جوهريا في النسيج الاجتماعي والطبقي ومنظومة القيم التي تحكم مجتمع قطاع غزّة. وتشير مصادر حقوقية إلى أنّ «عدد القتلى الذين سقطوا في الأنفاق تجاوز 233 شخصاً، من بينهم 20 قتلوا جراء قصف إسرائيل للأنفاق ومحيطها و9 أطفال، فيما فاق عدد المصابين من بين العاملين في الأنفاق 597 مصاباً، منذ العام 2006 الذي بدأت فيه ظاهرة الموت داخل الأنفاق.

مركزية ظاهرة

ويوضح الخبير الاقتصادي عمر شعبان، أنّ «الأنفاق أصبحت ظاهرة مركزية ومؤثّرة منذ فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع في يونيو 2007، إثر سيطرة حماس على قطاع غزة»، لافتاً إلى أنّ «عددها تضخّم حتى وصل إلى 1200 نفق تمتد تحت الشريط الحدودي في رفح جنوب القطاع».

ويؤكّد شعبان أنّ «وظيفة الأنفاق تغيّرت وأصبحت مصدراً مهماً لإدخال آلاف السلع اللازمة لحياة البشر وللإيرادات التي تجبيها حماس في غزة، موضحاً أنّ «أهميتها وعددها تضاءل عام 2010 بعد تخفيف الحصار جزئيا الذي اضطرت له الحكومة الإسرائيلية جراء الضغط الدولي».

تخفيف تداعيات

ويردف شعبان في تصريحات لوكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»: «رغم عدم شرعيتها، إلّا أنّ تجارة الأنفاق أسهمت في تخفيف تداعيات الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة ووفرت مئات السلع الأساسية، فيما خلقت أيضاً ظواهر وسلوكيات سلبية يحتاج المجتمع الفلسطيني إلى سنوات طويلة وجهود ضخمة لعلاجها».

ويضيف شعبان أنّ «من النتائج المباشرة لتجارة الأنفاق ظهور طبقة من الأثرياء الجدد الذين جمعوا ثروات خيالية في وقت زمني قصير»، لافتاً إلى أنّ «عدة تقارير تحدّثت عن وجود نحو ألف مليونير جديد في القطاع، ما أحدث تغييرا جوهريا في أنماط النشاط الاقتصادي في قطاع غزة ومنظومة القيم التي تحكم المجتمع».

موضحاً أنّه «نظراً لافتقار هذه الطبقة للخبرة اللازمة في إدارة الأعمال، اتجهت استثماراتهم في معظمها إلى الأشكال التقليدية كشراء الأراضي والعقارات وامتلاك المركبات الفارهة ما رفع أسعارها بشكل خيالي».

تغيير نسيج

ويبيّن شعبان أنّ «تجارة الأنفاق أحدثت تغييرا جوهريا في النسيج الاجتماعي والطبقي ومنظومة القيم التي تحكم المجتمع، وأسهمت في نشر قيم الثراء السريع بين الشباب ورجال الأعمال، ما دفع آلاف المدخرين الصغار ورجال الأعمال إلى الانخراط في هذا المجال، فضلاً عن آلاف العمال الذين لم يكن أمامهم فرص عمل أخرى سوى العمل في هذا المجال الخطير جداً».

بقاء آثار

ويتابع شعبان أنّ آثار الأنفاق ستبقى لسنوات طويلة وأنّ المجتمع الفلسطيني سيكون بحاجة إلى برامج وجهود عظيمة لمعالجتها ولإيجاد حلول لكيفية التعامل مع هؤلاء الأثرياء الذي تعوّدوا على العمل تحت الأرض، ولا يؤمنون بالتسجيل في الغرفة التجارية والمؤسسات الرسمية أو كيفية التعامل مع البنوك، أو الدخول في شراكات أعمال على المستوى الدولي.

مشيراً إلى أنّ «الاقتصاد الفلسطيني سيكون بحاجة للأموال الهائلة التي يحتفظ بها أصحابها «تجار الأنفاق» خارج إطار النظام المصرفي من ناحية، وكيفية العمل على إعادة طبقة الأعمال التي تمتلك الخبرة في مجال الأعمال لكنها تفتقر لرأس المال من ناحية أخرى».

 مخلّفات أنفاق

أكّد تقرير للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بعنوان «وفيات الأنفاق حقوق ضائعة»، أنّ وجود الأنفاق أنتج علاقات إنسانية واجتماعية ورسمية خارجة عن التنظيم والبناء القانوني في المجتمع، تعزّز من خلالها علاقات استغلال حاجة مواطن قطاع غزّة للعمل في ضوء ارتفاع نسبة الفقر والبطالة وإقباله على عمل قد يودي بحياته، مقابل توفير متطلّبات المعيشية بحدها الأدنى، الأمر الذي دفع العديد من العائلات إلى التغاضي عن عمل أبنائها في الأنفاق. وبين التقرير أنّ تجارة الأنفاق أثرت سلبا على دورة الاقتصاد وحركة رؤوس الأموال،