في مدينة حماه، كما غيرها من المدن السورية، يواجه السكان جبهتين معاً من أجل مواصلة الحياة، الجبهة الأولى، تتجسد في مواجهة قوات النظام التي تقصف المدينة يومياً، وتفرض على أحيائها طوق أمنياً بالغ التعقيد، والجبهة الثانية بدأت مع فصل الشتاء. واجتمعت هاتان الجبهتين معاً في وجه أبو وائل الذي تهدم منزله في حي مشاع الأربعين في حماه بسبب قصف قوات النظام، حيث فر من جحيم قذائف الهاون ليجد نفسه مع عائلته في الشارع، مفترشين أرضاً ترشهم زخات مطر مدة 15 يوماً، قبل أن تتطوع إحدى العائلات الفقيرة في إيوائهم بغرفة واحدة، وتقسم معاً لقمة العيش التي تأتيهم من «أهل الخير».

تتشابه مأساة عائلة أبو وائل مع 400 ألف نازح في مدينة حماه، من الذين نزحوا من حي لآخر، ومن الذين نزحوا من مناطق منكوبة صوب مدينة حماه نفسها. ودائماً يظهر شح المواد التموينية والمحروقات وغلاء الأسعار من بين أهم المعوقات أمام السكان والنازحين معاً. وحسب السكان، ارتفعت الأسعار نسبة 250 في المئة، وتتصدر المحروقات وعلى رأسها المازوت قائمة الغلاء، هذا طبعاً إن وجدت مادة المازوت، فالأسعار تضرب أرقام قياسياً لا مثيل لها في تاريخ سوريا الحديثة.

يتحدث أبو اليمان، تاجر المحروقات سابقاً، عن التقلبات الصاروخية العاصفة في أسعار المازوت: «كنت أبيع ليتر المازوت منذ أول الثورة 35 ليرة سورية، أما اليوم وصل الليتر إلى 100، والسبب يعود إلى تحكم أزلام وضباط الجيش النظامي على منافذ تهريب مادة المازوت، هم استفادوا من توقف محطات الوقود عن العمل». وتحتاج كل عائلة في محافظة حماه من 800 إلى ألف ليتر مازوت كي تغطي شهور الشتاء الأربعة، لكن الحصول على هذه الكمية يعتبر رفاهية في الوضع القائم كما يشير أبو اليمان : «أسعى بنفسي منذ أربعة شهور إلى تأمين مازوت لعائلتي لكنني لم أجد، وبالصدفة قبل ثلاثة أيام تمكنت من تأمين 100 ليتر فقط عن طريق بائع جوال».

هدم 80 %

ويعد حي مشاع الأربعين من بين أكثر الأحياء تضرراً ، يقطن فيه بعض النشطاء والثوار ليلاً بعد أن هدم 80 في المئة من مساحته، ويروي طلال الحموي ناشط في مجال الدعم اللوجستي للجيش الحر معاناتهم مع مادة المازوت: «بتفويض من الأهالي استعملنا المحروقات المتواجدة في المنازل وفوق أسطح المدارس الصيف الماضي بغية تشغيل المولدات الكهربائية». ويضيف طلال: «كنا نخشى أن يقصف النظام تلك الخزانات وتشعل النيران المنزل، تجنباً لذلك أفرغنا الخزانات من محتوياتها، وها نحن ندفع فاتورة ذلك مع دخول فصل الشتاء، ما يبقينا أن نقاوم برودة الليل هو لف أجسادنا بالبطانيات التي تأتينا من الأهالي».

صفقة مصابيح

ومع انقطاع التيار الكهربائي بمدار 12 ساعة يومياً، وتوزيع فترات انقطاعها ما بين كل ثلاث ساعات، فإن المعاناة تتضاعف. ويكشف عوض البالغ من العمر 37 الذي نزح مع عائلته صوب حي البارودية خلفية هذا التعامل: «علمنا مؤخراً أن النظام تعمد قطع الكهرباء لمدة طويلة كي يشتري الأهالي المولدات والمصابيح الكهربائية التي تعمل على البطارية بثمن غالٍ». ويعتبر عوض هذه المولدات والمصابيح صينية الصنع , قائلاً: «إنها صفقة جاء بها رامي مخلوف ابن خال الأسد مع شركات صينية». ولا يتوقف الأمر على شراء المولدات لوضع حد لمأساة الكهرباء والتدفئة، فحتى لو اشتريت كما يشير عوض أي جهاز تدفئة على الكهرباء لن تفيدك بشيء، وذلك مرتبط مع لحظة قدوم التيار الكهربائي بعد فترة القطع: «فالنظام يتعمد في رفع استطاعة عالية التوتر، بحيث تضرب كل أجهزة الكهرباء الموجودة بالمنزل، واحترقت منازل كاملة في حماه بهذه الطريقة». ويبقى خشب الأشجار وسيلة الوحيدة عند الأهالي في التدفئة وطهي الطعام، وقد ازدهرت تجارتها مؤخراً نتيجة غنى الأرياف السورية بالأشجار والغابات، بيد أن هذه التجارة الناشئة تواجه صعوبات في تأمين الخشب ونقلها إلى داخل المدن، فضلاً عن الارتفاع في الأسعار، فثمن طن واحد في الصيف الماضي كان يعادل سبعة آلاف ليرة، وفي الوقت الحالي ثمنه 15 ألفاً.