اعتاد أفراد ميليشيا الشبيحة في مدينة حمص أكثر المدن السورية تضررا من القتال توفير الحماية لأقرانهم من الأقلية العلوية من منطلق التضامن معهم لكن الأمن لم يعد الآن بالمجان بل اصبح في مقابل نحو 300 دولار شهريا.
ويقول السكان العلويون في حمص انهم مكرهون على المساعدة في تمويل المجهود الحربي للشبيحة وهي ميليشيا طائفية تتسم بالعنف وتساند حملة الرئيس بشار الأسد ضد الانتفاضة المستمرة منذ 18 شهرا.
وقال جراح يدعى فريد يعيش مع عائلته في حي الزهراء في حمص: «الشبيحة يستغلون خوفنا. يتذرعون بانهم في حاجة إلى الطعام أو الذخيرة. ولكن الأمر ينطوي في الاساس على اتفاق غير علني بأن تدفع العائلات الاكثر ثراء مبالغ (للشبيحة) كل شهر».
إتاوة مكرهة
ويخشى فريد ان يتعرض اطفاله للخطف مقابل فدية اذا لم يدفع للشبيحة ما يسمونها «إتاوة». ويجسد الشعور بالامتعاض لدى بعض العلويين من فكرة دفع اموال للشبيحة حالة من الصراع الداخلي لدى الكثير من ابناء طائفتهم يتمثل في الاتي: هل يخاطرون برفض حملة نظامهم الذي يقوده العلويون وميليشياتهم الوحشية؟ ام يخضعون بكل ما تحمله الكلمة من معنى للشبيحة التي تجادل بأنها تقاتل من اجل الوجود ضد السنة المصممين على الانتقام؟.
وتتزايد تكلفة الحرب في تلك المنطقة التي تشهد أطول المعارك الدائرة بين قوات الأسد ومقاتلي الجيش الحر.
وقال مهندس يدعى سعيد (40 عاما): «لست مرتاحا لذلك فهو امر خاطئ على ما يبدو ولكن ليس لدي اي خيار.. سأواجه الخطر اذا لم أدفع. هؤلاء الاشخاص خطرون». وبعد اشهر من القتال باتت المناطق العلوية التي تحميها الشبيحة في حمص مثل الزهراء هي الوحيدة الآمنة نسبيا. وتزايد سكان الزهراء من العلويين ليصبح 200 الف تقريبا في الشهور الاخيرة. وأصبحت الاحياء التي يقطنها عدد كبير من السنة في حمص عبارة عن مقابر لأبنية منهارة وشوارع مدمرة. ولم يعد بها سوى عدد قليل من العائلات.
300 دولار
ومع توقف العمل ونفاد الاموال بسبب الاضطرابات فإن مبلغ الاتاوة وهو 300 دولار لم يعد صغيرا. لكن العلويين في الزهراء يقولون انه في حين انهم يعرفون ان الاموال التي يدفعونها هي ابتزاز وان العنف الذي يمارسه الشبيحة تجاه السنة يجعلهم في خطر اكبر إلا انه يتم تذكيرهم باستمرار بالخطر الذي يعتريهم.
ولاحظت ام هاني وهي ام لاثنين في الزهراء هذا التحول بعد التفجير الذي وقع في يوليو واسفر عن مقتل اربعة من كبار مسؤولي الامن في دمشق.
وقالت: «بعد ذلك اهتز النظام. وبدأ الشبيحة يأخذون المزيد من السلطة وبدؤوا المطالبة بمزيد من الاموال. وبدون ان يتفوهوا بكلمة وجهوا رسالة واضحة مفادها (نحن المسؤولون عنكم .. ادفعوا)». بدا الارهاق الشديد حول عيني ام هاني بعد اشهر من الاضطرابات والقلق. ويشعر العلويون مثلها بانهم محاصرون. وليس لدى ام هاني اي مدخرات لمغادرة سوريا وتعتقد انها لن تكون في مأمن في مخيمات اللاجئين والمنتشرة على الحدود. وترى ان الدفع للشبيحة هو الخيار الوحيد. وقالت: «اين نستطيع الذهاب..من يقبلنا.. لهذا نبقى هنا ونتعامل مع فراعنتنا الجدد».
جدار عازل
واصبحت الميليشيات على درجة عالية من التنظيم في حمص فقد قسموا الزهراء إلى ست مناطق يتزعم كل واحدة «رئيس» محلي. وفي كل منطقة يرسل الرئيس عددا من الشبان حليقي الرؤوس للمراقبة وهم يحملون الاسلحة. ويظل الجيش بعيدا مكتفيا بحراسة حواجز الطرق المنتشرة في اطراف المنطقة.
ويقول سيد الذي يعطي الشبيحة الاتاوة على مضض: «لم يعد هناك اي وجود للحكومة في الزهراء». ويقول السكان ان الشيء الوحيد الجيد الذي ساهمت فيه تبرعاتهم هو تمويل بناء جدارين مقاومين للتفجيرات يصل ارتفاعهما إلى 20 مترا في الميدان الرئيسي بالزهراء. وكان الشارع ذات يوم في مرمى نيران مسلحي الجيش الحر الذين كانوا يصعدون فوق الابنية في الاحياء المجاورة ويطلقون النار. ويقول منهل ابن الجراح فريد اثناء سيره خلف الجدران التي طليت باللون الابيض: «هذه كانت المنطقة الاكثر دموية في الزهراء».
الدفع أو المغادرة
يضع وائل (مسؤول التحصيل) كمية كبيرة من الكريم على شعره الاسود ويمشطه ثم يستقل دراجته النارية لجمع الاتاوة الشهرية لرئيسه. ويقول وائل (25 عاما): «توجد في منطقتي 15 عائلة. اجمع الاموال لرئيسي عندما تكون هناك حاجة للاسلحة والغاز واصلاح السيارات والطعام لابنائنا». ولا يعتقد وائل ان ما يفعله ابتزاز فهو يعتبرها خدمة يحتاج السكان إلى دفعها للحفاظ على حياتهم. ويقول ان بامكان السكان غير الراضين عن ذلك مغادرة حمص اذا ارادوا. وقال: حتى نجهز قوافل لمساعدتهم على الخروج وهذا يكلف عشرة الاف ليرة (120 دولارا).