«ساعات استثنائية» عاشها التونسيون الجمعة تحت «الدخان الأسود» رأوا بأم أعينهم «حرباً» على أسوار سفارة أجنبية في عاصمتهم أسقطت قتلى وجرحى في ظل رايات وأعلام تنظيم القاعدة، ما استوجب وللمرة الأولى في تاريخهم المعاصر تدخّل غير أبناء جلدتهم لحسم المواجهة.
ويرى مراقبون أنّ الأحداث التي دارت حول سفارة الولايات المتحدة وفي باحتها مثّلت «ضربة موجعة للحكومة الحالية ولتسامحها المفرط مع الجماعات السلفية»، لاسيما المرتبطة بتنظيم القاعدة، إذ أقرّ وزير الداخلية علي العريض أنّ وزارته تلقّت «صفعة جديدة»، لافتاً في حوار إلى أنّ «البلاد مقبلة على ظروف صعبة تستوجب تضحيات بالدم».
يعتقد المراقبون أنّ «الاعتداء على السفارة الأميركية في تونس ما كان ليحدث لولا الخلل الأمني الواضح الذي سمح لمحتجين بالانتقال سيراً على الأقدام من جامع الفتح في داخل العاصمة إلى مقر السفارة المحصن في ضاحية البحيرة على بعد أكثر من 10 كيلومترات».
ووصلت سيارات تحمل محتجين وترفع رايات الجهاد، وشاحنات تحمل سلالم لاقتحام الأسوار، إذ أعلن وزير الداخلية عن فتح تحقيق في الأمر، فيما يرى مراقبون أنّ «الجماعات السلفية كسبت يوم الجمعة أول امتحان خاضته في المواجهة المباشرة مع قوات الحكومة، بينما يعتقد أنصار النظام السابق أن ما حدث في محيط وباحة السفارة الأميركية أثبت أن شعارات الحرية لا تفيد مع جميع فئات المجتمع.
وأنّ سقوط قتلى في المواجهات بين قوات الأمن في العهد البائد والمحتجين في الفترة ما بين 17 ديسمبر 2010 ويناير 2011 بات مفهوما طالما أن حكومة الثورة اعتمدت على السلاح واستعملت الرصاص الحي لقتل محتجين تونسيين.
في المقابل، تؤكّد بعض وجهات النظر أنّ ما حدث كان مخططا له، والهدف منه الإجهاز على ما تبقى من هيبة الدولة التونسية، والايقاع بالجماعات السلفية في الفخ، حيث ستكون خلال المرحلة المقبلة صيداً سهلاً للأجهزة الأمنية والتدخّل الخارجي، لاسيما من قبل الولايات المتحدة التي أرسلت 100 عنصر من قوات البحرية إلى تونس لإجلاء السفير وموظفي السفارة الأميركية.
لافتة إلى أنّ تونس قد تلتحق خلال الفترة القادمة بدول أخرى مثل اليمن وليبيا، تقوم فيها طائرات الأباتشي بملاحقة أوكار الجماعات السلفية ذات الارتباط العضوي بتنظيم القاعدة الذي رفع المتظاهرون علمه الأسود على مبنى السفارة الأميركية.
مداهمة أبوعياض
من جهته، أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية خالد طروش أنّ قوات الأمن دهمت منزل الشيخ السلفي سيف الله بن حسين، المعروف بأبوعياض، دون إلقاء القبض عليه.
وذكر طروش أنّ التحريات «جارية حول موضوع الاعتداءات المسجلة في محيط السفارة الأميركية بالعاصمة وأن وزارة الداخلية لن تتوانى عن إيقاف كل من له علاقة بهذه الاعتداءات بالتحريض وبالمشاركة».
وأفاد مصدر من التيار السلفي، رفض الكشف عن هويته، أنّ «الأمن اقتحم بيت أبوعياض الذي لم يكن موجودا فيه أثناء عملية المداهمة»، قائلا: إنّ لديه «معلومات تفيد بأن الشيخ في مكان آمن».
وتشهد تونس انتشاراً واسعاً للجماعات السلفية المدعومة بعناصر من قواعد حركـة النهضة ذات الارتباطات الوطيدة مع التنظيمات المشابهة في الدول المجاورة، لاسيما ليبيا والجزائر ودول الصحراء الكبرى، إذ التحق عدد كبير من «البلطجية» وذوي السوابق العدلية والمهمشين اجتماعياً بالتنظيمات الجهادية خلال الشهور الماضية للاستفادة من الدعم المالي الذي تحصل عليه من جهات خارجية وداخلية.
وعند الهجوم على السفارة الأميركية والمدرسة الدولية القريبة منها، التي يؤمها طلبة من 60 جنسية، تحوّل بعض المحتجين إلى لصوص حيث أقدموا على سرقة الأجهزة والمنقولات ثم أحرقوا المنشآت بشكل يدعو إلى إعادة النظر في حقيقة ما يدور في البلاد تحت غطاء الشعارات الثورية التي ترفعها الحكومة.