في لحظة خاطفة، كرمش العين، تحولت حياة أسرة غياظة من قرية نحالين بمحافظة بيت لحم في الضفة الغربية، إلى «مأساة حقيقية»، فتلك الزجاجة الحارقة التي سقطت على سيارتهم لم تحرق الأجساد فحسب، بل حرقت أمنهم وطمأنينتهم، وشتتهم بين غرف المستشفيات يصارعون الألم، وفي مخيلتهم صورة تضطرب النفس كلما العقل استحضرها، في لحظة يحاولون خلالها استيعاب ما جرى لهم.

الوالد أيمن غياظة، 35 عاماً، يرقد في العناية المركزة، وزوجته جميلة، 30 عاماً، تمضي وقتها ما بين علاج جراحها وبين الوجود إلى جانب طفلها محمد، 6 أعوام، وزيارة طفلتها إيمان، 4 أعوام، التي عادت إلى المنزل بعد عدة أيام قضتها في العلاج بمستشفى في القدس المحتلة. وإلى جانب هذه العائلة، يرقد حسن شقيق أيمن على سرير الشفاء، وكذلك قريبهم السائق بسام غياظة، وجميعهم يعانون من حروق تتراوح ما بين الدرجة الأولى والدرجة الثالثة في مختلف أنحاء أجسامهم.

وكانت عائلة غياظة تعرضت لإلقاء زجاجة حارقة قبل ثلاثة أسابيع من قبل مستوطنين عند مدخل مستوطنة بات عين، في تجمع مستوطنات كفار عصيون جنوب بيت لحم، ما أسفر عن إصابة جميع ركاب السيارة التي احترقت بالكامل، بإصابات تراوحت ما بين متوسطة إلى خطيرة.

وقالت جميلة غياظة، واصفة ما بات عليه حال أسرتها: «أصبحنا في شتات، انقلبت حياتنا، وباتت حياتنا صعبة، وأصبحنا في مأساة».

ولا تعبأ جميلة كثيراً بحروق في وجهها ويديها، أمام أنات طفلها محمد الذي يعاني من حروق شديدة في الظهر واليدين والرجلين.

أما الزوج أيمن، فلم يسمح الأطباء لزوجته وأفراد عائلته برؤيته سوى قبل أيام قليلة، بعد أن استقر وضعه، حيث تقول زوجته إنه يرقد في حالة صعبة جراء الحروق من الدرجة الثالثة في وجهه، و30 في المئة من جسده.

وتستدرك جميلة أن العام الدراسي بات على الأبواب، ولكن محمد الذي سجل للالتحاق بالصف الأول في مدرسة قريته نحالين، حتماً لن يكون بين أقرانه، فهو سيمكث في المستشفى شهراً على أقل تقدير، «ولن يشتري حقيبة ودفاتر، ولن يذهب إلى المدرسة.. لقد قتلوا حلمه».

حالة إيمان

وليست الحال بالنسبة للطفلة إيمان أفضل من حال بقية أسرتها، رغم أنها الآن تسكن مع خالتها في ظل شتات أسرتها.

وتقول بصوت مهتز يهزمة الخوف: «أنا خائفة.. لا أريد أن أركب أي سيارة، لأنني أخاف أن تحترق». وتعيش الطفلة في حالة نفسية صعبة، وينتابها صراخ كلما سمعت أصوات السيارات أو صافرات سيارات الإسعاف، مرددة أنها لا تريد أن تذهب في السيارة، خشية أن يتكرر ما حدث للعائلــة.

وقالت فداء شكارنة خالة الطفلة: «إيمان تعيش حالة خوف دائم، خاصة في الليل، ولا تطيق سماع أصوات السيارات، وترفض الخروج من المنزل، بل تمضي وقتها تتحدث عن النار وكيف اشتعلت السيارة، ثم تسأل أين والدها ووالدتها وشقيقها، فعلاً حالتها النفسية صعبة للغاية».