صراع محتدم على شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي في مصر خلال المرحلة المقبلة في ظل الصعود السريع لفصائل قوى التيار الإسلامي المتباينة، عقب ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. إذ اشتد الصراع السياسي والأيديولوجي بين كل من «الدولة المدنية» والتي دخلت في غمار الغموض، وسط قوى ليبرالية ونخبة سياسية بدت عاجزة عن مواجهة طوفان الإسلاميين، و«الدولة الدينية» التي يُمهد لها الإسلاميون بمحاولة فرضها تدريجياً، فضلاً على «الدولة العسكرية» التي تلفظها كافة القوى السياسية والثورية عقب أن ذاق الشارع المصري مرارتها منذ ثورة يوليو.

أخطر المراحل

ويؤكد محللون أن «الصراع بين النظم الثلاثة دخل أخطر مراحله الآن، مع بدء تشكيل الحكومة الجديدة، والتي من المتوقع أن تأتي معبرة وبشكل واضح عن نهج الإسلاميين وفلسفتهم في الحكم، إذ أشار القيادي بحزب النور السلفي محمود عباس في تصريحات لـ«البيان» إلى أن «فلسفة الإسلاميين في الحكم تعتمد على فرض البديل الإسلامي بشكل تدريجي ليحل محل البدائل الأخرى الموجودة حاليًا»، في إشارة إلى نية الإسلاميين تحوير شكل الدولة لدولة دينية من خلال مساعدة القيادات الإسلامية على احتلال كافة المناصب السياسية، ورئاسة المؤسسات الحيوية والمهمة في الدولة.

ويلفت محللون إلى أنّ ما يعزز خطة الإسلاميين لفرض الدولة الإسلامية يتمثّل في «تطبيق الحدود»، والذي طالب به عدد من الشخصيات المنتمية إلى الأحزاب الإسلامية، لافتين إلى أنّ «رد حزب الحرية والعدالة على هذا الأمر يحتاج إلى تهيئة يزيح القناع عن فلسفة الإسلاميين لإسقاط الدولة المدنية».

من جهته يقول رئيس وزراء مصر الأسبق علي لطفي، إن «الفصائل الإسلامية أكدت في غير مرة احترامها «مدنية الدولة»، ومراعاتها حقوق الأقباط والمرأة، وأنّه «لا خوف في ذلك على فكرة المدنية، لاسيما أن هناك إصرارًا عليها».

تدخل عسكري

في السياق ذاته، ظهرت مطالب متعددة في الشارع تطالب المجلس العسكري بضرورة الإصرار على وضع مادة في الدستور تضمن التدخل في درء أي محاولة للانقلاب على «مدنية الدولة» في أي شكل كانت، ما يعصف بفكرة «أسلمة مصر»، وهي المطالب التي وجدت ترحيبًا كبيرًا من النخبة السياسية المصرية والليبراليين واليساريين.

بدوره، أوضح الفقيه الدستوري إبراهيم درويش أن «فكرة قيام دولة دينية في مصر غير واردة على الرغم من كون الأمر خطيرًا للغاية»، موضحاً أنّ «المصريين لن يسمحوا بها، وأنّ التاريخ يثبت أن الدول القائمة على أساس ديني شهدت أنواعًا من الديكتاتوريات والقمعية باسم الدين، ما يعزّز من شبح أوروبا في العصور الوسطى.

فرس رهان

أوضح الناشط السياسي أحمد عجلان أن «الدولة المدينة تعتبر فرس الرهان إذ تلتف حولها الكثير من القوى السياسية والثورية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّها «تحتاج مراجعات قوية لإثبات وجودها في مصر»، لاسيما في ظل ضعف النخب السياسية والليبراليين في مواجهة الإسلاميين.

وأكّد عجلان أنّ «الدولة الدينية التي يصعد نجمها الآن لو تم فرضها بالفعل من قبل التيارات الإسلامية، فإنها سوف تصطدم بالأقباط والجيش والنخب السياسية بشكل عام»، موضحاً أنّ هذا يأتي في وقت تمّ الاتفاق على عدم تكرار تجربة الدولة العسكرية، التي عانت منها مصر على مدار الحقب الفائتة، ما يجعل فكرة تكرار تلك التجربة منعدمة للغاية.