يعيش عدد كبير من قضاة مصر حالة من الغليان والارتباك الشديد عقب قرار الرئيس محمد مرسي بإلغاء قرار حل مجلس الشعب الذي اتخذه المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أعقاب حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان بعض مواد قانون الانتخابات البرلمانية، ما جعل بعضا من القضاة يفتحون النار على الرئيس ويؤكدون أنه بذلك «همش أحكام القضاء وجار عليها»، وذلك قبل أن تلغي المحكمة الدستورية قرار مرسي، ما كان دلالة على بدء صراع «القط» و«الفأر» بين مؤسسة الرئاسة والقضاء. ووفقًا لما يؤكده عدد من القضاة ورجال القانون، فإنهم يسعون من خلال معارضتهم لقرار مرسي وتأييدهم لقرار المحكمة الدستورية العليا إلى محاولة التأسيس لدولة القانون وعدم التهاون في حق منصة القضاء مطلقًا في الاستقلالية التامة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، واللتين يتوجب عليهما احترام أحكام القضاء ولاسيّما المحكمة الدستورية العليا التي تبت في مدى دستورية القوانين التي يتم سنها من خلال المؤسسة التشريعية.
وكان القضاء تعرّض لجملة من «اللكمات» القوية التي شككت في مدى استقلاليته وزعزعت الثقة فيه؛ كان أولها تهديدات أهالي ضحايا ومصابي الثورة «باللجوء للمحكمة الجنائية الدولية» في بداية المرحلة الانتقالية عقب تأخر محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك في قضية قتل المتظاهرين السلميين أثناء الثورة.
التمويل الأجنبي
أما ثاني «اللكمات» فكانت «قضية تمويل منظمات المجتمع المدني» وسفر المتهمين الأميركيين عقب تهديدات السلطات الأميركية بسحب المعونة عن القاهرة ما أحدث «ضجة كبرى» شككت في مدى نزاهة وحيادية القضاء. ثم جاءت اشتراطات السلطات الإسبانية لتسليم رجل الأعمال الهارب حسين سالم كضربة عاصفة للقضاء الذي واجه منذ ذلك الحين جملة من «الاتهامات» فتم وصف قراراته الأخيرة المتعلقة بمجلس الشعب وتعديلات قانون مباشرة الحياة السياسية الشهيرة إعلاميًا بـ«قانون العزل السياسي» بأنها قرارات «ممنهجة سياسيًا» تخدم أجندات القادة السياسيين، خاصة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي كان يدير شؤون مصر خلال المرحلة الانتقالية الأخيرة منذ أن كلفه الرئيس السابق حسني مبارك عند تنحيه.
دولة القانون
من جانبه، يقول نائب رئيس مجلس الوزراء السابق يحيى الجمل إن احتجاجات كثير من القضاة على قرار مرسي وتأييدهم لقرار المحكمة الدستورية العليا الأخير بإلغاء ذلك القرار جاءت من منطلق كون القرار في الأساس «يهدد دولة القانون» ويؤسس لدولة تتعامل بقوانين «الغابة»، خاصة أن القرار «جار» على حكم المحكمة الدستورية العليا الخاص ببطلان بعض مواد الانتخابات البرلمانية. ويشدد الجمل في السياق ذاته، على ضرورة الثأر لأحكام القضاء والالتزام بها بصورة مباشرة، خاصة أن مجلس الشعب «باطل» بقرار من المحكمة، ولا يجوز مطلقًا إعادته للانعقاد، مشيرًا في السياق ذاته إلى أنه لا تقدم لأي دولة من الدول بدون التأسيس لدولة القانون واحترام الأحكام القضائية بصفة عامة. في موازاة ذلك، يدين عدد من المراقبين بعض القضاة الذين فضلوا الصمت على مدار المرحلة الماضية على الانتهاكات التي تعرض لها القضاء، في الوقت الذي ثاروا فيه بسبب عودة مجلس الشعب وهو المؤسسة التشريعية المنتخبة التي تحظى بشرعية أصوات المصريين. تأكيد
أكدت مؤسسة الرئاسة غير مرة احترامها لشرعية القضاء واستقلاليته ومزاولته لكامل صلاحياته على الساحة وإيمانها بدولة القانون، مشيرة في الوقت ذاته إلى عدم تعارض قرار مرسي بكل تلك السجالات وأن القرار لم يمس روح الحكم الصادر ولا يعني مطلقًا عدم احترام أحكام القضاء.