بقدر ما طغت لغة الترحيب والارتياح على الردود الأميركية، السياسية والإعلامية، المتعلقة بالانتخابات الليبية وخاصة بنتائجها؛ بقدر ما سادها من تعبيرات الخشية والانزعاج من التوتر الجديد بين أطراف الحكم في مصر والذي يهدّد بأزمة دستورية تضع مجمل عملية انتقال السلطة في مهب الريح. أو على الأقل قد تعرقل مسيرتها وتصيبها بالتعثر المديد والمفتوح على المجهول. وثمة تخوف من هذا القبيل. فخلال المرحلة الانتقالية يمكن لأي شيء يحصل أن يدعو إلى القلق كما قال الناطق الرسمي في الخارجية الأميركية. وانعكس ذلك في الموقف الضبابي الذي اعتمدته الإدارة في التعامل مع التراشق بالقرارات والقرارات المضادة، بين المحكمة العليا والرئاسة والمجلس العسكري.

تقلبات

من جهة، اتسم خطابها بمحاولة التقليل من أهمية ما حصل ووضعه في خانة «سوء التفاهم» من باب أن البلد «يمر في حالة ولادة لديمقراطية جديدة» من المتوقع أن تشهد تقلبات غير متوقعة. لكن من جهة ثانية، حرصت الإدارة على تمرير إشارات الضيق من استعجال الرئيس محمد مرسي للتأكيد على سيادة صلاحياته من دون الأخذ في الاعتبار معادلة الواقع وتوازناته في الاعتبار. تجلّى ذلك في عدة إشارات وتلميحات رسمية. قبل الاشتباك الدستوري السياسي المصري، كانت الإدارة كشفت عن الرغبة في توجيه دعوة لمرسي لزيارة واشنطن، لكن بعد الاشتباك حصل تراجع وقالوا إن الرئيس أوباما ربما يلتقي مرسي على هامش افتتاح الدورة العادية للأمم المتحدة في نيويورك، الأسبوع الثالث من سبتمبر المقبل.

تلويح

الخارجية من جهتها، أعلنت أن نائب الوزيرة وليام بيرنز سلّم مرسي في القاهرة رسالة من واشنطن دون الإفصاح عن مضمونها. تركت الموقف معلقاً لغاية زيارة الوزيرة كلينتون القريبة إلى القاهرة. وحتى ذلك الحين، يجري التلويح مجدّداً بورقة المساعدات من باب التأكيد على أن العلاقات ومنها المساعدات مرهونة بمدى الالتزام باستكمال العملية السياسية. رسائل وإشارات برسم الرئيس مرسي الذي بادر إلى فتح معركة الصلاحيات في وقت مبكر. بدا وكأنه ينوي الإطاحة بتفاهمات مسبقة تضمن شراكة، تحفظ موقعه من جهة وتترك صمامات الأمان في مواقعها خلال الفترة الانتقالية.

التوازن

من جهة ثانية، فالمهم بالنسبة واشنطن هو إعادة العمل بقاعدة التوازن بين الطرفين في المعادلة المصرية القائمة. فهي إذ تزعم الالتزام بما جاءت به صناديق الاقتراع، إلاّ أنها لا تخفي قلقها من احتمال خروج العملية عن سكة الحكم الدستوري المدني. مقابل الحرص على العملية الديمقراطية، هناك خوف منها. الرقص حول الشرعية والدستور يحجب صراعاً مبكراً على السلطة، كان التصور أنه مؤجل.

أو على الأقل أن يجري ضمن الأطر التي سيضعها الدستور المنتظر. التضارب حول شرعية البرلمان، ينذر بإعاقة ولادة هذا الدستور. معه بدا وكأن كفة الأيديولوجيا عادت لترجح على كفة الشراكة، الهشة أصلاً. وهنا مصدر الخشية. فالرئيس مرسي ضمن شرعيته التمثيلية. كما ضمن تسليم الآخرين بها ومن ضمنهم واشنطن. تحرّك على هذا الأساس لتحويلها إلى شرعية دستورية.

 فاته أن مسألة الصلاحيات ما زالت ضبابية في هذه اللحظة المفصلية من تركيب النظام الجديد. فكان المأزق، الذي يرى العديد من الخبراء بأنه سياسي في أصله، بالرغم من جدارة جوانبه القانونية على اختلافها. ولا مخرج بالتالي إلا سياسي ولو بفذلكات قانونية. ومن هنا دخول واشنطن على الخط وزيارة الوزيرة كلينتون، للعمل على صياغة تسوية تحفظ ماء وجه الطرفين. والأهم أن تعيد التوازن إلى معادلة السلطة في مصر وبما يضمن مواصلة العبور بالعملية السياسية إلى خواتمها. البديل أزمة لا تتلاءم مع البراغماتية السياسية التي حكمت سائر المواقف حتى الآن.