يروي الناشط المسيحي أبو جاد أنه تعرض لشتى أنواع التعذيب خلال اعتقاله لدى جهاز أمني في سوريا لمدة شهرين، لمجرد أنه انضم إلى «الحراك الثوري» الذي يسعى النظام إلى تقديمه، بحسب ناشطين وخبراء، على أنه حركة إسلامية ذات طابع طائفي.

إلا أن «أبو جاد»، كما طلب أن يعرّف عنه، يؤكد كغيره من الناشطين أن المشاركين في الاحتجاجات المستمرة منذ نحو 15 شهراً ضد الرئيس السوري بشار الأسد ينتمون إلى طوائف مختلفة. ويقول ناشطون ومحللون إن النظام السوري، الذي طالما طرح نفسه حامياً للأقليات، يصور نفسه على أنه ضحية خطر إسلامي متطرف، بهدف تحويل الانتفاضة إلى حرب طائفية بين الجماعات الدينية السورية.

ويؤكدون أن النظام يعامل كل المعتقلين من السنّة، وغيرهم، بالقمع والعنف ذاته، ويعمل على الترويج لفكرة أن انتصار المحتجين سيعني تهديد وجود الأقليات، بهدف نشر الخوف في صفوفها. ويقول أبو جاد لوكالة «فرانس برس»: «الجميع يتعرض للضرب خلال الاعتقال، وعاملوني بقسوة شديدة». ويضيف: «وجهوا الشتائم لي وإلى الدين المسيحي، وضربوني بقوة على وشم الصليب على ذراعي»، موضحاً أنه اعتقل مع عدد من أصدقائه المسلمين حين كانوا يعلقون ملصقاً، كتب عليه اقتباس من الإنجيل يقول: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بقليل من الكرامة والحرية».

انقسام الأقليات

ويقول الناشط إياد السلموني إن «احتجاجاتنا تدحض مزاعم النظام بأن الثورة سلفية». ويوضح بيتر هارلينغ، الذي يعمل على الملف السوري في مجموعة الأزمات الدولية «إنترناشونال كرايزيس غروب»، التي تتخذ من بروكسل مقراً، إن الدروز والمسيحيين منقسمون في الموقف إزاء الاحتجاجات المناهضة للنظام، بينما غالبية العلويين تدعم النظام. ويرى هارلينغ أن «النزاع اتخذ طابعاً مذهبياً في وسط البلاد، حيث يعيش العلويون إلى جانب جماعات طائفية أخرى». ويوضح أن أحد أسباب ذلك هو أن «هيكلية الجهاز الأمني وضعت بشكل يضمن بقاء السلطة الفعلية في أيدي العلويين». ويلفت إلى أن «اتخاذ الأحداث منحى دينياً كان أمراً متوقعاً» مع تصاعد حدة أعمال العنف.

إشاعة الخوف

ويقول ناشطون إن إشاعة الخوف ليست أمراً تقوم به وسائل الإعلام الحكومية فقط، لكنه يتجلى في التحركات العسكرية الميدانية أيضاً. وفي هذا السياق، يشير الناشط المسيحي سالم، الذي تحدث إلى «فرانس برس» عبر «سكايب»، رافضاً إعطاء اسمه الحقيقي، إلى أن القوات النظامية أقامت في بلدة القصير، في محافظة حمص، في وسط البلاد، حاجزاً بالقرب من الكنيسة الرئيسية، و«عمدوا إلى إطلاق النار على كل من تجرأ على المرور بالقرب منه». ويوضح سالم أن العديد من سكان بلدته من غير المسلمين السنّة يتعاطفون مع حركة الاحتجاجات ضـد النظام، لكن معظمهم يخاف المجاهرة بآرائه.

ويرى أن الناشطين من الأقليات الذي ينضمـون للاحتجـاجات «هم بمثابة شوكة في خاصرة النظام، لذا يخاف الناس مما سيحصل إذا تم اعتقالنا». ويقول الكاتب والمخرج التلفزيوني فؤاد حميرة إن معظـم العلويين الذين يعرفهم لم يتخلوا عن النظام. ويعلل حميرة، المنتمي إلى الطائفة العلوية، ذلك بأنهم «يخافون من النظام ومن الإسلاميين على حد سواء».

ويضيف: «في الوقت نفسه، فإن النظام بدوره إما منح العديد من العلويين النفوذ والسلطة، وإما أقنعهم بأنه من الأفضل لهم التمسك ببقاء النظام». ويشدد على أنه سيبقى ملتزماً بدعم «الثورة»، لأنه يريد أن «يعامل كمواطن وليس كعضو في هذا المذهب أو ذاك». ويرى حميرة أن «النظام يريد أن يعزز الرابط بين كل شخص وطائفته على حساب التفكير بالوطن». ويضيف أن «النظام ومؤيديه يدعون أنهم ضحايا تهديد إسلامي، بينما الحقيقة هي أنهم هم من يشكل تهديداً بالنسبة لبقية الشعب السوري».

التفكير المذهبي

لا يقف الكثيرون داخل الأقليات في سـورياإلى جانب النظام، على خلفية فشله فـي تأمـين الحـلول للأزمــة. وتصـف الناشطة الدرزية والصحافية منتهى الأطرش، المقيمة في دمشق، النزعة التقسيمية التي يحاول النظام زرعهـا بأنهــا «كارثية». وتقـول إن «النظام عمل جاهداً على مدى عقود من أجل القضاء على حس المواطنة في سوريا، وهو يدفع الناس الآن للتفكير بطريقة مذهبية». وتضيف أن «المشاركين في الثورة ينجحون حتى الآن في مقاومة هذا الاتجاه، لكن الله وحده يعلم ما يمكن أن تصير عليه الأمور لاحقاً».