اعتاد العراقيون، طيلة السنوات الماضية، منذ بداية الاحتلال، حتى الآن، على صيغة «الحلول في الوقت الضائع»، للمشكلات التي يتداولها السياسيون، حتى كأن شيئاً ما يدور في الخفاء، ولا يظهر إلا في الوقت الذي يراد له الظهور، ما يجعل المواطن العراقي، وحتى المثقف أو المحلل السياسي، غير قادر على استيعاب «متطلبات اللعبة»، والتنبؤ بما ستكون عليه الأمور.
ويدور الآن حديث عن تذمر المواطنين، بسبب النزاعات السياسية المتجذرة، ومحاولات سحب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، التي تشكلت بشكل غامض، وباتفاقات غامضة، وتفجرت أزماتها وتراكمت منذ ما قبل تشكيلها لحد الآن، ما يعطي انطباعا بأن هذه الأزمة، أو الأزمات، هي السبب في استمرار «توقف المشاريع وانعدام الخدمات وتردي الوضع الأمني»، وما إلى ذلك من سلبيات تزامنت مع دخول الاحتلال أرض الرافدين، حيث تسير الأمور من سيء إلى أسوأ!؟».
الوجوه نفسها
ويتساءل المواطن العراقي العادي، ما الذي يعنيه سحب الثقة من المالكي، و.. ماذا بعد!!؟، فالوجوه نفسها هي التي تسيطر على الساحة، منذ الاحتلال حتى الآن، مع تغيرات فوقية، وتتعارك فيما بينها على المناصب، بل ان بعضها ترسّخت أقدامه اقتصادياً ومعنوياً، بفعل الفساد الإداري والمالي، بحيث أصبح لا يرى غير ذاته في المرآة، ولا يقبل التحاور إلا معها.
وحسب المحلل السياسي، زيد الزبيدي، فإن العملية السياسية الحالية في العراق هي نفسها التي بدأت أوائل تسعينات القرن الماضي، خلال مؤتمرات المعارضة العراقية سابقاً، التي رعتها الولايات المتحدة، أو هي امتداد لها، باعتمادها على التقسيم الطائفي والعرقي، ما أفرغ العملية من محتواها السياسي، الأمر الذي تظهر نتائجه الآن، بعدم وجود برنامج واضح، لأي من الكتل المتنافسة أو المتصارعة أو المتصالحة، على الساحة العراقية.
تعيينات عبثية
ويذكر الزبيدي على سبيل المثال أن الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، عندما أنشأ مجلس الحكم عام 2003، عيّن فيه سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، حميد مجيد، باعتباره «شيعيا»، كما عيّن رئيس الحزب الوطني الديمقراطي نصير الجادرجي، باعتباره «سنياً»!، فيما لم تكن لهذين الحزبين، طوال تاريخهما، أية علاقة بمثل هذه الأمور.
ويبدو أن هذا التقسيم، الطائفي والعرقي، أنهى التصورات السياسية، وحصر الأمور كلها في زوايا ضيقة، لا علاقة لها بالجوانب ذات الصلة بمشاكل المواطن ومعاناته.
ويقول الخبير الآثاري قيس شبّر: إن النظام السابق حاول إدخال تطويرات على آثار بابل، باستخدام مواد بناء حديثة، ما أدى إلى قيام اليونسكو بشطب أهم المعالم الحضارية في العالم من سجل التراث الإنساني.
ويضيف: قد يكون ما يحصل في العراق الآن هو العكس، باستخدام مواد بناء قديمة، على معالم حضارية حديثة، فقد كانت في العراق سياسة، وكانت هناك أحزاب ذات برامج متنوعة قبل انفراد حزب واحد، أو شخص واحد، بالسلطة، ولكن.. ما البديل؟..
البديل هو أن شوارعنا وأبنيتنا خربة، وكذلك انعدام الخدمات، وهنا يأتي التطابق بين العمارة والسياسة.