آخر ما كانت تريده إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في هذا الوقت، هو مجزرة بحجم ما حصل في بلدة الحولة السورية. ليس من باب الوجع عليها بقدر ما كان من باب الإحراج الذي تسببت به. مأساة بلدة صغيرة بعيدة، وضعت عاصمة القرار في مأزق. أفسدت عليها عملية شراء الوقت التي راهنت عليها للتعامل مع سوريا. هزّت صورة زعامتها الدولية. كشفت عن تذبذب موقفها وتلعثم خطابها، تجاه أزمة تتصارع فوق أرضها قوى أكبر من سوريا.
فالإدارة تتحدث بأكثر من لسان ولغة. في البيت الأبيض والخارجية والبنتاغون، أكثر من خطاب. غياب الموقف الواحد الواضح، ينم عن ارتباك في مقاربة الأزمة السورية. أو عن انقسام في صفوف المسؤولين. في البيت الأبيض يجري التركيز على استبعاد أية مساهمة عسكرية أميركية. الناطق الرسمي باسمه، يقول ان التدخل العسكري ليس الطريق السليم في الوقت الحاضر، لأنه قد يتسبب بتوسيع دائرة المجزرة والفوضى. وكذلك التسليح. الرئيس أوباما غائب أو مغيّب عن الشاشة. لكن رئيس هيئة الأركان، الجنرال مارتن دامبسي، دخل على الخط من خلال التلميح ولو مداورة بالخيار العسكري. «إن استمرار الممارسات الوحشية في سوريا، يزيد من احتمال التدخل» على حدّ ما قال. ومع أنه لم يحدّد أي تدخل، لكن البيت الأبيض سارع لتوضيح كلام الجنرال ووضعه في إطار الاستبعاد لأي عمل عسكري في سوريا.
أما وزارة الخارجية، فكل يوم بموقف . أمس الأول قالت الناطقة الرسمية أن العمل الآن منصبّ على السعي لإصدار قرار دولي تحت البند السابع الإلزامي. وعاد نائبها مارك تونر ليقول في ردّه على سؤال «البيان»، بأن القرار المنشود مرهون بالمشاورات مع الدول الأعضاء بالتحديد مع موسكو وبكين وليس بالضرورة وفقاً للبند السابع.
وكما الإدارة، كما خصومها في الحزب الجمهوري. كل مجموعة منهم لها موقفها. المرشح متّ رومني الذي ادان «سياسة الشلل» التي يعتمدها الرئيس اوباما تجاه سوريا، دعا إلى العمل مع «الشركاء لتسليح المعارضة السورية». ومثله فعل عدد من أعضاء مجلس الشيوخ المحافظين الذين طالبوا أيضاً بفرض حظر جوي وأكثر. لكن ليس كل الجمهوريين في هذا الخانة. رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب النائب مايك روجرز، وقف ضد التسليح. ومعه كثير من زملائه المحافظين.
أحد أسباب التخبط هذا ، ان كافة المواقف محكومة بالحسابات الانتخابية. بدرجة أو بأخرى.
في البداية شاركت واشنطن المعنية بهذا الصراع، في حملة الإدانة للنظام السوري. كان في تصورها أنها عاصفة وتمرّ. وفي اسوأ الحالات تنتهي بقرار غير ملزم من مجلس الأمن. لكن القرار لم يضع حدّاً لتفاعل الحدث الذي احتل قلب دائرة الضوء. الردود الدولية تعاظمت بتأثير الصورة المنقولة على موجات الأثير.
على الأثر سارعت الإدارة إلى تحريك الخيار الدبلوماسي. لعبت ورقة طرد مسؤولي السفارات السورية في عدة عواصم، بالتنسيق مع عدد من الدول الحليفة. لكن الأمر تطلب اكثر من ذلك. فكان لا بدّ من العودة إلى مجلس الأمن، الذي تعرف الإدارة أنه ما زال على انقسامه. وجاء تقرير نائب كوفي انان، أول من امس أمام مجلس الأمن، ليزيد من الارباك والتعقيد، حين أفاد بأن خطة النقاط الست، لم ترَ التنفيذ بعد. وليس من المتوقع أن تراه باعتبار أنها صارت من الماضي، حسب القراءة السائدة في واشنطن، حتى قبل المجزرة. وفي ضوء ذلك يزداد الحديث عن عزم إدارة أوباما على التعاون مع موسكو لنقل التجربة اليمنية إلى سوريا.