شكلت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية على القطاعين المالي والنفطي بالتحديد مصدر ضائقة وتراجع في مصادر تمويل النظام السوري ومؤسساته ولو جزئياً. ومن أجل تخفيف حدة تلك العقوبات، اتخذ النظام إجراءات وقائية غير اعتيادية لدرء انزلاقه إلى خطر الإفلاس، فوجد في عملية إزاحة أعباء آثار العقوبات عن ظهره، ورميها على كاهل نشطاء الثورة مخرجاً مناسباً له يمكن أن يضمن ديمومة بقائه في الحكم حتى إشعار آخر.
وبحسب منتقدي النظام، فإن الثالوث المؤلف من الأمن والجيش والميليشيات التي تعرف بـ«الشبيحة»، هم من يقودون زمام المبادرة في حملة التمويل، فالتقارير ومقاطع الفيديو المصورة التي تخرج يومياً من قلب معاقل الثورة توضح كيفية سرقة أفراد بالزي العسكري البيوت والمحلات التجارية في المدن والمناطق التي يتم اقتحامها، وتبين مدى اعتماد هؤلاء على مخزون المدن والقرى الثائرة في تمويل عملياتهم.
خطة مبيتة
ويرى منتقدون أن استمرارية هذه الحوادث بشكل شبه يومي تشي بوجود خطة معدة ضمن منهجية مدروسة من قبل الدائرة المحيطة بالسلطة، وليس كما يروج البعض بأنها انتهاكات فردية محدودة النطاق. والشواهد على ذلك كثيرة، لعل أقربها تلك الروايات التي تتسرب من الجنود القادمين من المناطق الساخنة، حيث أفاد مجند يدعى أحمد يخدم في صفوف الجيش النظامي على أحد الحواجز العسكرية في حمص لـ«البيان» بأن القيادة العسكرية في الجيش تحث الجنود في المناطق المتوترة على التعامل مع المدينة كما لو أنها غنيمة الحرب.
وأشار إلى محاولة التغطية على الجوع المتفشي في صفوف الجيش نتيجة استنفاره لأكثر من أربعة عشر شهراً، وعجز ميزانية الدولة عن تلبية متطلبات الجنود من الطعام والشراب. ويؤكد أحمد أن الغذاء الرئيسي للجنود بات ينحصر في الخبز وبعض المعلبات المنهوبة من المحلات الغذائية في حمص.
وتتناغم هذه الشهادة، مع تقرير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، حيث اظهر تقييم البرنامج مستوى الجوع المدقع في سوريا، خاصة في حمص وحماة بسبب استمرار محاصرة المدن الثائرة ومنع وصول المساعدات الإنسانية لها من قبل الجيش الذي يتضرر بدوره تحت وطأة الجوع.
الحصة الكبرى
أما الحصة الكبرى من المسروقات غالية الثمن، كما يقول الناشط ناجي، الذي نزح من حي البياضة بحمص إلى دمشق، «فتذهب إلى أدراج منازل الضباط. ويتم ذلك بحجة البحث عن الثوار ومناوئي النظام في المنازل، حيث تقوم قوات الأمن المرافقة للجيش بسلب الذهب والنقود والأثاث المنزلي في كل بيت يتم اقتحامه». ويردف ناجي أن المنهوبات من المتاجر والوكالات والأجهزة الكهربائية وبعض الأنواع من المحاصيل الزراعية تنقل فوراً إلى بيوت الضباط. وبهذا يتحقق الهدف المزدوج الذي رسمه النظام بتجويع المناطق المنكوبة من جانب، وتأمين تمويل حملاته العسكرية على أكتاف المدن المنتفضة من جانب آخر.
سلوك الشبيحة
وعند رصد سلوك ميليشيات النظام (الشبيحة) وتعاملها مع الثورة عموماً، يتضح أنهم اتخذوا من قمع الثورة مصدر رزق لهم بامتياز، بغض النظر عن تجاوزاتهم القانونية والأخلاقية، طالما أنهم نالوا صك الغفران من النظام كي يضمن ولاءهم من جهة، وتحفيزهم على أداء مهامهم على أكمل الوجه بقمع الثورة من جهة ثانية. فبالإضافة إلى وظيفتهم بالمشاركة مع قوات الأمن والجيش في أعمال النهب للمناطق المقتحمة، فإن الثورة تغدو فرصة سانحة لهم لنهب ما يمكن نهبه من المتظاهرين والناشطين والأهالي العاديين. إذ يكشف ناشط من بلدة سقبا بريف دمشق عرف عن نفسه باسم براء أن «الشبيحة» لدى مداهمة المنازل في كل عملية اقتحام ينتشلون على الفور الكمبيوترات المحمولة وأجهزة الهواتف النقالة والمواد الكهربائية التي بحوزة الناشطين المعارضين، والأنكى من ذلك تباع تلك الأغراض في اليوم الثاني بالسوق السوداء.
غير أن سبل النظام لتمويل ذاته على أنقاض الثورة والثوار لا تنحصر فيما ورد أعلاه فقط، فالسجون بحد ذاتها أصبحت ملاذا لتبضع رجال الأمن، والقاعدة الجارية في هذا الإطار، القيام بإجراء اعتقالات متنوعة عشوائية ومنظمة تطال الجميع، المتظاهرين والناشطين وحتى من ليس له علاقة بشيء، حيث تمارس عليهم أشد أساليب القسوة في أقبية السجون، ومن ثم يفرض على الأهل مساومة مالية مقابل الإفراج عن أبنائهم، وهو الأمر الذي يقوم المعتقل عادة بفعله مهما غلا الثمن لينقذ نفسه من عذاب لا يطاق.