لعل من سخرية الأقدار أن تسمع في الزمن الراهن من يطلب اللجوء في العراق حيث البلد الذي تعرض طيلة العقود الثلاثة الماضية إلى حروب عبثية وكوارث لم تمر على بقعة على وجه الأرض، إلا أن القديم المتجدد في أمر التقارير الواردة من هناك، هو ظهور مصطلح «بلا جنسية» الذي يبدو غريباً على أسماع المراقبين للشأن العراقي، إلا أنه ليس غريباً على العراقيين في الداخل أن يعلموا بوجود قرابة 120 ألف شخص بلا جنسية في بلادهم.
قد يبدو مصطلح «البدون» أو «عديمي الجنسية» متعارفاً بصورة أوضح في بعض دول الجوار العراقي، حيث تحتضن الكويت أعداداً كبيرة منهم لاتزال مشاكلهم قائمة لغاية الآن، وكذا الحال في سوريا بما يخص الأكراد الذين حاول نظام دمشق تقريبهم بمنح قرابة 200 ألف منهم الجنسية السورية بعد أن كانوا اصطلاحا من فئة «بدون جنسية» إلى ما قبل الأحداث الأخيرة هناك، وكذا الحال ينطبق أيضاً على بعض القوميات والاثنيات في تركيا وإيران المجاورتين.
ما أثاره التقرير الأخير الذي أصدرته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة الذي أكد وجود أكثر من 120 ألفاً بلا جنسية في العراق، ووجود قرابة 40 ألفاً من طالبي اللجوء العرب والأجانب، وأرقام أخرى تخص اللاجئين العراقيين الذين عاد منهم من البلدان المجاورة قرابة 532 ألف شخص منذ 2003 حتى الساعة، كل ذلك يفتح التساؤلات المشرعة بشأن تاريخ هذه الظاهرة في العراق والمسكوت عنه طيلة عقود بل قرون على وجه الدقة.
الاحتلال العثماني
في قراءة سريعة لما جرى من تجريد الجنسية العراقية من آلاف الأشخاص في العصر الحديث، ينبغي أن نعود إلى جذر المشكلة، فحين احتلت بريطانيا العراق في 1917 كان خاضعاً للدولة العثمانية التي جثمت على صدره لأكثر من 400 سنة، وكان العراقيون آنذاك يتبعون من حيث الوثائق للتبعية العثمانية والإيرانية بحكم تقاسم النفوذ في بعض المناطق الجنوبية والوسطى بين الدولتين.
وكان جميع سكان مناطق الجنوب والفرات الأوسط والمناطق الكردية المحاذية لحدود إيران في وسط العراق يملكون وثائق التبعية الإيرانية لأسباب النفوذ من ناحية ومن ناحية أخرى لأجل عدم الالتحاق بالجيش العثماني في حروبه المعروفة بـ «السفربرلك».
قانون بريطاني
وفي العام 1924 فرضت بريطانيا أول قانون للجنسية العراقية، فحرمت مئات الآلاف من أبناء الجنوب والفرات الأوسط والعشائر الكردية الفيلية المجاورة لتلك المناطق من حق التجنس أو قامت بعرقلة حصولهم على الجنسية، وكانت ثورة العشرين والخسائر البشرية الفادحة التي تكبدتها بريطانيا آنذاك في معارك الشعيبة والنارنجية والكفل السبب المباشر في هذا الموقف الانتقامي من سكان تلك المناطق.
تهجير قسري
وعودة إلى العصر الحديث، قام نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين منذ سبعينات القرن الماضي ولغاية أبريل 1980 بتهجير قرابة 200 ألف من العراقيين من الأكراد الفيلية وقرابة 420 ألفاً من جيرانهم من العرب الأقحاح، بحجة «التبعية الإيرانية»، وتعرض هؤلاء لمأساة فادحة، ومازال الآلاف منهم «بدون جنسية» إلى يومنا هذا، إضافة إلى قرابة 17 ألفاً من «البدون» الذين جرى ترحيلهم من الكويت بعد حرب «عاصفة الصحراء» في 1991.
يبدو أن تقرير مفوضية اللاجئين آنف الذكر، بالأعداد الذي ذكرها من «عديمي الجنسية» في العراق، سيجر مشاكل قديمة- متجددة بشأن ماهية «المواطنة» في العراق الجديد، و«الحصانة» التي يمكن أن يفرضها الدستور بشأن منع أي سلطة قادمة من تجريد العراق من حقه في وطنه.