تتسع الهوة شيئا فشيئا بين عدد من أعضاء الأغلبية النيابية في مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) في أعقاب ماراثون أعضائها من أجل استجوابات ضد وزراء في الحكومة، بعد أن حادت أهدافها وأولوياتها عن البوصلة التي أعلنتها الكتلة عند تشكيلها عقب الانتخابات التي جرت قبل نحو ثلاثة شهور، والتي على رأسها قوانين مكافحة الفساد والذمة المالية والاصلاح السياسي، كذلك في ظل وجود جناحي حمائم وصقور ينذران بعودة الأوضاع السياسية إلى المربع الأول.

نذر هذه الهوة، كانت شرارتها مع اجتماعات اللجنة التنسيقية لكتلة الأغلبية الماضية والتي شهدت اتفاقاً واختلافاً وتأييداً واعتراضاً، ظهرت مع اعلان النائب د. عبيد الوسمي عن استجواب لرئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك مع انطلاقة دور انعقاد البرلمان دون الرجوع للكتلة، ثم عدوله عنه بعد تدخل النائب مسلم البراك، مرورا بتلويح النائب د. وليد الطبطبائي باستجواب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود وكذا تهديد النائب محمد هايف باستجواب وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية جمال شهاب، منفردين دون الزام الكتلة بتأييدهما، وانتهاء بإعلان النائب مسلم البراك عن استجواب نائب رئيس الوزراء وزير المالية مصطفى الشمالي، الذي أكد البراك فيه انه لن يخرج عن قرار الأغلبية النيابية، وهو الاستجواب الذي أيده عدد كبير من أعضاء الكتلة وأكدوا ضرورة رحيله من الحكومة، في وقت أبدى آخرون اعتراضهم حول توقيت الاستجواب، خوفا على بقاء استمرار المجلس قبل ان يثبت بعض النواب وجودهم «سياسيا» لا سيما الجدد منهم الذين دخلوا البرلمان للمرة الأولى، الأمر الذي أوجد حالة من «التشرذم» تجاه تلك الاستجوابات «وان اختلفت ظروفها ودوافعها».

بادرة أزمة

ورغم تجاوز معظم تلك المراحل إلا ان استجواب الشمالي شكّل بادرة أزمة في منعطفين: الاول داخل كتلة الأغلبية التي لم تعلن موقفها حتى الآن بشكل رسمي، أما الثاني بين الحكومة والبرلمان وهو الأمر الذي سيؤدي الى تصاعد وتيرته شيئا فشيئا لا سيما وان الشمالي يحمل تركة ثقيلة من الحكومة السابقة بحسب رؤية مؤيدي استجوابه وانه «امتداد ومهندس لعمليات عديدة لها علاقة بالبنك المركزي ومحافظ الاستثمار وقرارات مؤسسة التأمينات الاجتماعية»، التي تمثل المحاور الرئيسية لقضيتي: التحويلات الخارجية والايداعات المليونية اللتين عصفتا بالحكومة السابقة، مع الأخذ بعين الاعتبار معارضة كتلة الأغلبية على «توزيره» في الحكومة الجديدة خلال مباحثات التشكيلة الوزارية، ما ولّد المخاوف من ان يؤدي هذا الاستجواب تحديدا الى حل مجلس الأمة.

حمائم وصقور

ولعل أكثر ما أفرزته تلك الاختلافات هو بروز جناحي الحمائم والصقور، إذ في الوقت الذي تسعى فيه الحمائم إلى «التهدئة وتخفيف سرعة عجلة المساءلة والمحاسبة»، بعيدا عن وصمة «التأزيم» وضمانا لاستمرار المجلس، يرى جناح الصقور أن المحاسبة والمساءلة ومحاربة الفساد هي «عناوين خطابهم الانتخابي الذي اختارتهم قواعدهم الشعبية على أساسه».

وأفضت تلك الأحداث الى تعقيد سياسي زاد من حساسية الموقف وأعاد الى الأذهان حالة الاحتقان السياسي الذي عاشته الكويت قبيل الانتخابات الأخيرة، فالحكومة أبدت تعاونها في كثير من المواقف وعلى رأسها استجواب رئيسها بشكل علني مرورا بلجان التحقيق النيابية، لكن عدم وضوح الرؤية بالنسبة لكتلة الأغلبية رغم الاجتماعات المتكررة، ولّد «امتعاضا شعبيا» من تشكيلتها التي وعدت بالإصلاحات وعجزت عن تنفيذها رغم أكثريتها. أحلاهما مرّ

الحكومة ليست بأفضل حالا من الكتل النيابية، إذ إنها ستواجه حال تم تقديم استجواب وزيرها مصطفى الشمالي رسميا، خيارين أحلاهما مرّ، فإما أن تُقْدم على المواجهة وتوافق على صعود وزيرها المنصة، وهي بذلك ذهبت بأحد أركانها الى «الاعدام السياسي» لأنها مدركة تماما حصول الأغلبية على أكثر من 25 صوتا لإسقاطه، أو انها ستدفع باستقالة وزيرها وتجري تعديلا وزاريا، لتفتح بعدها الباب على مصراعيه لكتلة الأغلبية النيابية للتحكم في مصيرها، وهو الأمر الذي لا تريده لأن فاتورته ستكون «باهظة» على مستقبلها السياسي.