يخشى كثير من السوريين تحول بلادهم إلى رواندا جديدة، ترتكب فيها مجازر مروعة على نطاق واسع، وسط تجاهل دولي ونفور من أي تدخل لإيقافها.

وجه الشبه بين ما يحدث في سوريا وما حدث في ربيع العام 1994 في رواندا، يكمن في مساحة المجازر المرتكبة وبشاعتها، والجفاء التاريخي بين أكبر مكونين فيها، وصغر المساحة وكثافة السكان، فضلاً عن موقف الغرب «المتخاذل» من مسألة التدخل، وضعف دور دول الجوار من جانب، وتورطها إلى حد كبير في الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك من جانب آخر.

 

أنواع الأسلحة

والأسلحة التي استخدمت لتصفية نحو 800 ألف من التوتسي خلال 100 يوم كانت بسيطة وقادرة على إيقاع أكبر قدر ممكن من الترهيب الكفيل ببث الذعر في نفوس من بقوا على قيد الحياة. ذبح التوتسي بالسواطير رخيصة الثمن المستوردة من الصين، وخطفت نساؤهم، وأحرقت منازلهم، وأبيدت قراهم عن بكرة أبيها.

وفي سوريا، تركزت وسائل القتل في البدايات على الرصاص، ثم تطورت إلى القصف الصاروخي والمدفعي، مع استخدام طائرات في بعض الأحيان، قبل أن يفطن مهندسو المجازر أخيراً إلى الطريقة الرواندية، فاستخدموا السلاح الأبيض في مدينة حمص تحديداً، وعملوا في سكانها طعناً وذبحاً، واغتصبوا النساء والأطفال، واستلهموا الأساليب ذاتها في ترك حفنة من الناجين تفر بجلدها لتروي قصص الفظاعات، فيعمد سكان البلدات الأخرى إلى الهرب، ليتحقق بذلك «تطهير» تلك المناطق من سكانها، وتوطين آخرين من عرقية المعتدين فيها، وهو التقليد الذي ترافق مع إسقاط «قدسية» الكنائس في رواندا والمساجد في سوريا، عبر استهدافهما قصفاً واقتحاماً حينما يختبأ الفارون فيهما.

 

مسألة التدخل

ولأن رواندا، الفقيرة بالثروات، لم تكن لتعني شيئاً للغرب، فإن فرنسا والولايات المتحدة، ومن ورائهما الأمم المتحدة، تعاملت مع الأحداث المروعة على طريقة «عدالة الشوارع»، أي بترك «أولئك السيئين يصفون بعضهم البعض». وعجزت الأمم المتحدة عن الحد من المعاناة لعدم استعداد الدول الأعضاء لتعزيز دور بعثة تقديم المساعدة الإنسانية التي خفضت في بداية المأساة إلى 270 جندياً فقط. ثم كان الخطأ الاستراتيجي الكبير في إعطاء مجلس الأمن الإذن لقوات تحت قيادة فرنسية بالقيام بمهمة «إنسانية».

وأنقذت هذه المهمة، بضع مئات من المدنيين، ولكنها سمحت لمسؤولي ميليشيا «الإنترهاموي» التابعة للهوتو، الضالعين في الإبادة، بالهروب، بالإضافة إلى تركيزها على إجلاء الرعايا الغربيين، في مشهدٍ لن ينساه التوتسي الذين توهموا في بدء الأمر أن الجنود أتوا لمساعدتهم.

واليوم، يتذرع الغرب بـ«قوة» الجيش السوري والمخاوف من إمكانية استغلال «القاعدة» للأحداث، لإشهار عدم تدخله، في حين يتهم المعارضون السوريون بأن عدم تدفق النفط السوري على الخزائن الغربية، كما في ليبيا، يجمد أي حراك عسكري لإيقاف المجازر، مستذكرين الاستنفار الغربي لإنقاذ بضعة صحافيين غربيين علقوا في حي بابا عمرو في حمص، حينما عاد السفير الفرنسي، المسحوب، إلى دمشق خصيصاً لمتابعة الأمر.

كما عطل مجلس الأمن أكثر من مرة مشاريع قرارات، بفضل روسيا والصي بحجة أنها قد تستخدم في تبرير عمل عسكري يضع حداً للكارثة، حتى بات الحديث ينحصر حول «مهمة إنسانية»، قد تنتهي كما انتهت إليها مهمة المراقبين العرب التي قد تشبه إلى حد بعيد مهمة الجنود الفرنسيين إياها في رواندا.

 

مسألة الجيران

كما «ابتليت» رواندا وسوريا بجيران إما متورطين في حمام الدم أو خائفين من الغوص في مستنقعه. ففي رواندا، دعمت أوغندا التوتسي، فيما وقفت الكونغو الديمقراطية إلى جانب الهوتو، دون إهمال تدخل دول إفريقية أخرى.

وفي الحالة السورية، تشير أصابع الاتهام إلى العراق الرسمي، ومن ورائه إيران، وأطراف فاعلة في المعادلة اللبنانية رسمياً وميليشيوياً، في دعم النظام وميليشيا «الشبيحة» الموالية صاحبة اليد الطولى في ارتكاب المجازر.

وعلى الضفة الأخرى، تقف قوى سياسية لبنانية وعراقية وعربية، خليجية تحديداً، إلى جانب الثوار، وإن كان بخجل لم يصل مرحلة الدعم العسكري والمالي الصريح، دون نسيان الدور التركي الغامض والمحير الذي تطاله اتهامات الطرفين في سوريا.