تتحرك إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن الأزمة السورية، وسط تزايد الضغوط وشحّ الخيارات. مشهد العنف المتفاقم الذي تنقل وسائل الإعلام بصورة مكثفة ما تيسّر من مجرياته في حمص وغيرها، معطوفاً على تزايد الدعوات في الكونغرس كما في مطبخ صناعة الرأي لدعم المعارضة السورية وتسليحها؛ وضع الأزمة فوق نار حامية بالنسبة لإدارة تعطي الأولوية للملف الإيراني الذي يشكل صداع اللحظة الأميركية الراهنة.
في المقابل، يعترف الأميركيون، على اختلاف مواقعهم ومواقفهم، أن الحالة السورية معقدة وصعبة أكثر من أي وضع آخر مشابه في المنطقة. خاصة بعد التدهور الأمني الخطير في الآونة الأخيرة، كما بعد انسداد باب التدخل الدولي في أعقاب الفيتو. لاسيما وأن حلف شمال الاطلسي ومعه واشنطن، ليسا في وارد تكرار السيناريو الليبي. الموانع كثيرة، داخلية وخارجية. وهناك تسليم واسع بهذا الواقع المكبّل للحركة. لا القابلية متوفرة ولا الرغبة أو القدرة متوفرة لتحمّل الكلفة. وانعكس ذلك إلى حدّ بعيد في تعامل الإدارة مع التأزم المتصاعد، حيث بقي في حدود التلويح الملتبس ولو المفتوح، على تفسيرات أخرى. وتقول الناطقة باسم وزارة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون: «لا زلنا نعتقد أن الحل السياسي للأزمة هو السبيل الأفضل». خط تردّد، على لسان الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني. وفي ذات الوقت، تلوّح الإدارة بخطوات إضافية إذا فشلت الضغوط في حمل الرئيس الأسد على التزحزح. المسؤولون يستبعدون التسليح الذي من شأنه دفع سوريا في اتجاه خطير. كلام بدا وكأنه تعمد ترك الباب مفتوحا أمام كافة الاحتمالات. توقيته يشي وكأنه موجه إلى المؤتمرين في تونس للخروج بقرارات أو برسالة، على حدّ تعبير وزير الخارجية التركي داوود أوغلو؛ تدعم خياري متداولين في واشنطن، من باب أنهما الأجدى والأوفر حظاً. الأول، مستعجل ويتمثل في ضرورة إقامة ممرّ للمساعدات الإنسانية عبر مؤسسات ومنظمات عالمية. خيار يحقق أكثر من غاية. فهو يوفر المعونات الإنسانية الملحّة ويكون في الوقت ذاته شاهدا وشهادة على مجريات الوضع الأمني على الأرض. أما الثاني ويتمثل بالتمهيد لما يسمى بالشريط العازل على الحدود التركية، كإجراء لاحق. وهو احتمال عاد إلى التداول مؤخراً بعد غياب ضبابي عن الشاشة. ولم يكن صدفة أن تنتعش سيرته خلال زيارة أوغلو قبل أسبوعين لواشنطن. ومعروف أن تركيا ساهمت في الحشد لمؤتمر تونس. كما سيتولى أوغلو الدور البارز الآن في أعمال هذا الأخير لحمله على تبني قرارات قوية.
دعوات التسليح
وواكب هذا التجمع الدولي، توالي الدعوات في الكونغرس وغيره لتسليح المعارضة السورية. وإن كانت في جانب منها لحسابات انتخابية. وتقاطعت جميعها عند مطالبة الجانب العربي بالنهوض مع الأتراك بعبء الدعم والتسليح. فواشنطن تقدّم الغطاء السياسي فقط. وفي تقدير كثير من المتابعين للأزمة أن الأوضاع باتت محكومة بهذه الوجهة. والإدارة تدرك ذلك برغم كلامها عن الحل السياسي. فالخيار الأمني السوري قطع الشك باليقين، مهما كانت العواقب؛ بحسب كافة التقديرات الأميركية. وبالتالي، صارت مسألة التسليح بحكم تحصيل الحاصل مع تعليقها في الوقت الراهن لغاية نضوج ظروفها الميدانية والسياسية. وجواب رئيس هيئة الأركان الجنرال مارتن دمبسي الذي قال إن التسليح الآن سابق لأوانه، يعزز هذه القراءة. خيار مطروح ولو مؤجل. ومن هنا تشديد المسؤولين على وجوب جمع المعارضة والتنسيق بين فصائلها. تماماً كما حصل في ليبيا . وهو كلام يفيد بأن وحدة الصف تفتح الباب أما خيار التسليح.
مع مؤتمر تونس، الذي يفتتح أعماله اليوم الجمعة؛ يكون التحرك الدبلوماسي قطع شوطاً مهما. قبول الصين لدعوة المشاركة في أعماله، وضعته واشنطن في خانة التطور الإيجابي الواعد. وربما مؤشر لموقف صيني قابل للتغيير، بحسب الظروف. فالمراهنة الآن على هذا التجمع الذي أعقب قرار الجمعية العمومية باحتضان مبادرة الجامعة العربية .