مع اقتراب الثورة السورية من إكمال عام من الاحتجاجات المتواصلة، لا يزال انسداد الآفاق يخيم على مصير الانتفاضة الشعبية في ظل عدم وجود مؤشرات واضحة تحسم كفة الصراع لحساب طرف على آخر، ويرى مراقبون للشأن السوري أن استمرارية الأزمة على هذا النحو تجلب معها يوماً بعد يوم الكثير من المشاكل الاقتصادية والحياتية التي تزيد من معاناة المناطق المنكوبة والهادئة معاً وتضعهما على شفير الهاوية. ومن بين أبرز تلك الأزمات انقطاع التيار الكهربائي بشكل يومي عن كل المدن السورية بما فيها الأحياء التجارية داخل حلب ودمشق.
وبينما تستغيث الأحياء المنكوبة الأكثر ضرراً تحت ضربات قوات النظام، ترزح شريحة واسعة من الحرفيين والمهنيين وأصحاب المحلات التجارية والصناعية الصغيرة تحت شبح البطالة وتوقف العمل باعتبار أن صيرورة عملهم يعتمد بشكل رئيسي على التيار الكهربائي على حد قول نشطاء ومراقبين.
توقف الأعمال
ولم تقتصر أزمة الكهرباء على المناطق المنكوبة فقط، فالمعروف أن معظم الطبقات الوسطى تعتمد على التيار الكهربائي في استمرارية أعمالها في المناطق الهادئة لا سيما المحلات التجارية والصناعية والحرفية، حيث توقف نشاط شريحة واسعة من العمال في المهن الحرة مشكّلةً جيشاً من العاطلين عن العمل جراء انقطاع الكهرباء عن مراكز أعمالهم بشكل دوري، ويشير أحد السكان الذي فضل أن يعرف عن نفسه باسم أبو ميرزا، وهو أحد القاطنين في منطقة عرطوز الواقعة غرب العاصمة ويملك معملاً للخياطة، إلى أن قطع التيار الكهربائي أياماً وساعات طويلة جعل ورشته تتوقف عن الإنتاج، ويضيف: «المعمل كان مصدر رزق لخمسة أشخاص وعائلات لكن انقطاع الكهرباء بشكل يومي وفي أوقات العمل بالتحديد حال دون مواصلة العمال لأعمالهم».
تعميق المعاناة
ويرى البعض أن النظام يسلك إستراتيجية معينة بقطع التيار الكهربائي حيال المناطق المنتفضة. ويقول خلدون، وهو أحد سكان مدينة الزبداني هرب إلى دمشق بعد اقتحام الجيش السوري المدينة، أن النظام «يلجأ إلى قطع الكهرباء لأيام متواصلة كلما تزايدت وتيرة التظاهرات»، ويضيف خلدون: «عند إعلان مدينة الزبداني بأنها محررة من قبل الجيش الحر في الشهر الماضي سارع النظام إلى قطع الكهرباء عن المدينة عبر مولدات الطاقة الرئيسية التي لا تزال تحت سيطرته، الأمر الذي جعلت المدينة تعيش أسبوعاً كاملاً دون وجود الكهرباء، مما عمق من معاناة الناس مع موجة البرد الشديدة التي تجتاح المدينة الجبلية المتاخمة على الحدود مع لبنان».
توظيف الانقطاع
وفي السياق، يقول سكان من مدينة داريا المحاذية للعاصمة دمشق من الطرف الجنوب الغربي إن النظام يهدف عبر انقطاع الكهرباء في الليل بالذات إلى الحد من تحركات المحتجين، فمن جهة تتأهب قوات الأمن للقيام بحملة تمشيط تطال كل من يتواجد في الشارع، ومن جهة ثانية تسعى إلى عرقلة حركة المتظاهرين وقطع خطوط الانترنت والكمبيوتر وشبكة الهواتف النقالة لعزل السكان عن العالم الخارجي. ويقول فراس وهو أحد المشرفين على تسيير التظاهرات إن لحظة انقطاع التيار الكهربائي «تعني بالنسبة للناس بدء سلسلة اعتقالات ضد السكان من قبل قوات الأمن، وبناء عليه يلتزم الناس عدم الخروج ليلاً مهما كانت الظروف»، مؤكداً أن كل من يخرج فانه «مشروع معتقل أو قتيل».
حلول مؤقّتة
واحدة من الحلول المؤقتة التي لجأ إليها السكان تمثّل في استخدام المولدات الكهربائية، لكنهم واجهوا مشكلتين: الأولى أن المولدات تعمل على الوقود الذي يشهد نقصاً حاداً، والثانية أن أسعار المولدات باهظة الثمن.
ويقول ناصر وهو ناشط من حي جوبر بدمشق أن السكان الذين يعانون من دخل محدود حاولوا شراء المولدات الكهربائية المنزلية وهي ذات حجم صغير لتفادي أزمة الكهرباء، إلا أنهم تفاجؤوا بأسعار خيالية تفوق قدرتهم الشرائية. وفسّر ذلك بأن تلك المولدات يتحكم بها مجموعة من التجار المرتبطين بالنظام حيث ترك لهم حرية التحكم بأسعارها.
هدفان من الأزمة
قال الباحث الاقتصادي نبيل مرزوق إن أزمة الكهرباء مفتعلة من قبل النظام بامتياز، وأشار إلى أن النظام توقف عن استيراد مادة الفيول التي تدعم تشغيل مولدات الطاقة الكهربائية مع بدء الانتفاضة، معتبراً أن النظام يسعى من وراء توقيف استيراد الفيول إلى تحقيق هدفين: من جهة، يريد ممارسة أشد الضغوطات على الناس المنتفضين عبر قطع الكهرباء لحملهم على التراجع عن مطلب إسقاط النظام، ومن جهة ثانية، تدخر الأموال التي يستورد بها مادة الفيول لتدعيم حملته الأمنية والعسكرية ضد المعارضين.