بعد أكثر من أربعة شهور على بدء الاحتجاجات المطالبة بإسقاط النظام في سوريا، وبعد مئات القتلى و المعتقلين والمفقودين، وبعد أن اضطرت السلطة إلى استخدام نحو ألفي دبابة وعربة مدرعة، أي ما يوازي ربع إمكانيات القوات المسلحة، ونشر قرابة 100 ألف جندي ورجل أمن و«شبيح»، أو ما يعادل ثماني فرق برية، في المحافظات الـ14، باتت مجريات الأمور وموازينها واضحة لجهة ما ستفضي إليه الاحتجاجات من رسم لخريطة سوريا مستقبلاً.
حري القول إن الشعب السوري، بغالبيته، حسم أمره من حيث رفضه لحالة ما قبل الـ15 من آذار (مارس) تماماً ودفنها مع سقوط حسام عياش في الـ18 منه. والنظام، بدوره، اختار طريقه في اللحظة التي قرر فيها زج بعض فرق الجيش في نزاعٍ بات بالنسبة إليه، وإلى المنظومة التي خلقها وغذاها وتغذى عليها طوال عقود، مسألة بقاء يعتبر التراجع فيه انتحاراً مؤكداً والاستمرار مقامرة تحتمل بعض المكاسب حتى لو كانت آنية.. (والآني هنا قد يقاس بالأيام أو الشهور).
الجسد عنواناً
وإزاء هذه المعادلة المعقدة، تحول الجسد عنواناً عريضاً لكل خبر وتعليق ومقطع مصور لأنه الممثل الشرعي والوحيد لعبارة «مقاومة» لكلا الطرفين. فبات دهس الرقاب والظهور وبتر الأعضاء وقطع الحناجر وركل الجثث، من جهة، والتظاهر بالأكفان وحملها، من جهة أخرى، مشهداً مألوفاً حول الجسد إلى ثوبٍ رث لا قيمة له ووفر وقوداً لاستمرار الاحتجاجات وولد يقيناً عند أجهزة السلطة، أريد له أن يكون متعمداً، بأن الاحتقان وصل مداه بالنسبة إلى المتظاهرين، ما عنى تحول الرهاب إلى الضفة الأخرى بعدما كان مستحكماً في عقلية المواطن السوري. فأدى ذلك في اللاشعور لاعتبار كل من ينزل إلى الشارع هدفاً مشروعاً لأنه يمثل خطراً وتهديداً على حياة عناصر الأمن والميليشيات.
ذاكرة وتاريخ
والحال، إن العنف المفرط، كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية أو لإرغام الطرف الآخر على القبول بالأمر الواقع أو لضرب مكونات المجتمع بعضها ببعض، أمر طارئ لم يألفه المجتمع السوري قبلاً، باستثناءٍ وحيد هو ما يعرف بـ«مجزرة الشيشكلي» في السويداء العام 1954.
فأحداث 1976-1982، التي تبادلت خلالها السلطة وإسلاميون هدايا القتل على الهوية، لا تنفي واقع أن نبيل الطويل، السني من الإخوان المسلمين، ووهيب الغانم، العلوي من حزب البعث، جلسا جنباً إلى جنب تحت قبة البرلمان بعيد الانفصال عن مصر، وقبل انقلاب العام 1963، كممثلين عن محافظة اللاذقية ذات التنوع الطائفي.
كما أن اضطرابات 2004 في مدينة القامشلي والتي أمرت بأن تتحول صراعاً عربياً كردياً، لا تغطي حقيقة أن ثلاثة من رؤساء سوريا كانوا أكراداً ومنهم أول رئيس هو محمد علي العابد. إن لسوريا إرثاً ديمقراطياً عريقاً، أقله بالمعايير العربية، حذف من ذاكرة الأجيال، بأحزابها وكتلها النيابية القديمة وتظاهرات شعبها واعتصاماته وإضراباته المشهورة، منذ الثلاثينيات، وانتخاباتها النزيهة، منذ أكثر من نصف قرن، عدا عن حياة إعلامية وثقافية زاخرة.
ففي خمسينيات القرن الماضي على سبيل المثال، كان عدد الصحف اليومية التي تصدر في مدينة حلب يساوي تلك التي تصدر في العاصمة البريطانية لندن بواقع 15 صحيفة يومية.
تفسير العنف
وعليه، يمكن تفسير منحى العنف والفوضى التي انساقت إليها سوريا إلى تغييب مفهوم الوطن والمواطنة والانكفاء بدلاً من ذلك إلى داخل دائرة ضيقة، أياً كانت تعنيه، كملاذٍ تفضيلي آمن يحمي من الآخر ونواياه المشكوك بسلامتها. لقد تحول المجتمع السوري، وخصوصاً منذ منتصف السبعينيات، إلى جزرٍ معزولة تطفو على بحرٍ من الخوف والبارانويا، بشقيها: الارتياب وعقدة الاضطهاد، ويحكمها اتهام هذا الآخر بأنه يتحين الفرصة للانقضاض.
وما زرع في عقل الشعب السوري منذ ذلك الحين من جرعات تفكيكٍ للكثير من المفاهيم الاجتماعية تكاد تصل إلى مرحلة التحلل، رافقها عمليات تسطيح ممنهجة للوعي السياسي، تُحصد اليوم نتائجها في الطريقة التي يتم التصدي من خلالها للمتظاهرين في الشوارع والأسلوب الذي يتم عبره التعامل معهم، وكأن مجتمعاً ولـد من رحم تلك المنظومة منفصلاً تماماً عن تواريخه السابقة بحيث تمت قولبته على أسسٍ مختلفة كلياً عن التي نشأ عليها.
وتالياً، وجدت مكونات المجتمع السوري نفسها منشغلةً بمراقبة بعضها البعض لتحسس الخطر المقبل، فيما برزت قواعد جديدة للهرمية الاجتماعية لم يعرفها سابقاً، أعطت لنماذج من قبيل تجار المخدرات والمهربين عبر الحدود نفوذاً معتبراً ووجاهةً وأفضليةً بتحالفها مع ممثلي السلطة، بالتزامن مع تدميرٍ منظم لهيكلية النخب في الشعب، ومنها مثلاً طبقة الإنتلجنسيا وتحديداً اليسارية والليبرالية العلمانية.
فطفقت الظواهر الغريبة التي لم تألفها سوريا تنتشر وتتمكن من مفاصلها، ليس أقلها ميليشيات «الشبيحة»، المكونة بصبغتها الطائفية من شبابٍ ريفيٍ مهمش، فضلاً عن طبقة العسكر والسياسيين والمثقفين والإداريين الحكوميين الفاسدين نخاعاً، بل وحتى سائقي سيارات الأجرة وعمال النظافة المشتغلين كتبة للتقارير الأمنية، دون نسيان أدلجة الطلاب المنتسبين لـ«الاتحاد الوطني للطلبة» بعد مرورهم صغاراً من محطتي «اتحاد شبيبة الثورة» و«طلائع البعث»، على طريقة «الكومسومول» السوفييتية.
حيث ضُربت تلك الفئات في الصميم بهدف تغيير النظرة التقليدية لعنفوانها وبساطتها بعدما تحولت في معظمها إلى رديف لأجهزة السلطة تكشر عن أنيابها حينما يكون السيف أصدق إنباءً من الكتب.
وبذلك انتهى المجتمع إلى حالة لا يقين وتشوش تجاه «الوطنيين» و«الثقاة» و«المثقفين» و«الشباب».
وبذلك، نحى العنف، بالتدريج، أي إمكانيةٍ لحوارٍ أو حل وسط بسبب التشوه العميق الذي اعترى مفهوم المعارض ورجل السلطة وأجهزة الدولة، والهوة السحيقة التي نشأت بين طبقات المجتمع وشرائحه ومكوناته.
تأميم الوطن
وبطبيعة الحال وقبل كل شيء، فإن تأميم الوطن السوري، بمؤسساته ومرافقه وجيشه واستخباراته ووزاراته وبرلمانه ورئاسته، وإعادته إلى ملكية الشعب، بعد أن تمت مصادرته وخصخصته، أمر حتمي للبدء بإخراج سوريا من هذا النفق المظلم الذي، إن طال، فلن يوفر أحداً وسيكون أولى ضحاياه أولئك الذين أدخلوا البلاد فيه.
ولتجنب مثل هذا السيناريو الأسود، فإن تشكيل لجنة حقيقة ومصالحة على نمط تلك التي أقيمت في جنوب إفريقيا وفي الأرجنتين وتشيلي أو هيئة إنصاف وفق النموذج المغربي، خطوة كفيلة بجسر التباعد الآخذ في الاتساع بين أطياف المجتمع السوري وجبر الضرر وإغلاق ملفاتٍ عالقة لا تزال تؤرق الكثير من السوريين أشبه بـ«الجروح المفتوحة» التي من السهل نكؤها.
ومع استحضار المخاوف من شيوع الانتقام والاقتتال الداخلي بعد سقوط النظام، يبدو اجترار هذه الأقاويل وكأنه يوجه أصابع الاتهام إلى ذلك الذي أمسك بمفاصل البلاد دون غيره، فأحدث فيها شرخاً كبيراً بسبب أسلوب إدارته لها.
ومع ذلك، تدل تجارب التاريخ على أن التغييرات الجذرية تأتي عادةً مصحوبةً بتصحيحٍ لا بديل عنه تنفذه المجتمعات الناجحة التي تسارع إلى تطهير نفسها بنفسها؛ فكانت الحملات المناهضة للجمهورية بعد نشوب الثورة الفرنسية والملاحقات المستمرة للمتعاونين مع النازيين في غير بلدٍ أوروبي، دون أن يعتبر ذلك انتقاصاً من مكانة الثورة أو الفعل التصحيحي.
تتجه سوريا إذاً إلى مسار حسمه الشعب بفعله والنظام بردة فعله سيكون فيه الوطن إما المتضرر الأكبر، إن صممت جهات على المضي في محاولات إفشال الحراك أو مرحلة ما بعد الحراك، أو المستفيد الأكبر منه، فيما إذا توصلت تلك الجهات إلى قناعة الأعشاب التي تنحني حينما تهب الرياح العاتية.