بعد أكثر من خمسة شهور على قيام «ثورة الياسمين»، في تونس تتصاعد المخاوف في الأوساط الاجتماعية والسياسية من أن تعود البلاد الى حالة من الانفلات الأمني خصوصا بعد أن سجلت خلال الأيام الماضية عددا من الإشارات السلبية مثل تفجير انبوب الغاز الجزائري الايطالي الذي يعبر الاراضي التونسية وحرق احدى الغابات عمدا شمال العاصمة ومهاجمة مراكز للامن والاستيلاء منها على بعض الاسلحة، اضافة الى ظهور لغة خطاب جديد تعتمد منطق الاقصاء والتكفير والتخوين والثأر والانتقام.
وفي هذا الصدد، ترى الامينة العامة للحزب الديمقراطي التقدمي مية الجريبي ان «هنالك قوى تستهين بتونس وتريد ان تستعيض بحراك الشارع عن التوافق وهذا الأسلوب انما هو محاولة للاستيلاء على الحكم عن غير طريق الانتخابات ولإجهاض المسار الانتخابي».
و لا تتوانى الجريبي عن اتهام «أطراف سياسية» بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع وهي أطراف تقول انها «كانت نادت في المدة الأخيرة عبر بيانات وتصريحات لها بإسقاط الحكومة الانتقالية وتعويضها بحكومة وحدة وطنية مما زاد في احتقان الوضع وفتح الأبواب أمام المنزلقات الخطيرة وبث العنف والفوضى والابتعاد عن مسار التوافق».
واضافت ان حزبها سيجري مشاورات عاجلة مع الأحزاب السياسية المتمسكة بالمسار الانتخابي السلمي لاتخاذ مبادرات مشتركة هدفها الدفاع عن النظام الجمهوري وحماية المسار الانتخابي من أخطار الالتفاف والانتكاس.
من جانبه، يعمل رئيس الحزب الديمقراطي التقدمي أحمد نجيب الشابي على تذكير «القوى التي تقف وراء الدعوة إلى إسقاط الحكومة الانتقالية، بما ارتكبته بعض الأحزاب في 1989-1990 من أخطاء عندما اعتقدت انه بإمكانها تحقيق أهدافها الحزبية الخاصة عبر الخروج عن مسار الوفاق الوطني واتخاذ أسلوب المواجهة في الشارع مما ادخل البلاد في أزمة سياسية كبدت تونس 20 عاما من الديكتاتورية» في اشارة الى المواجهات بين حركة النهضة غير المعترف بها آنذاك ونظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وحذر الشابي من أن «يؤول هذا التصرف اللامسؤول إلى نفس النتائج الوخيمة التي قد توقع البلاد في مستنقع العنف وتداعياته المدمرة»، معبرا في نفس السياق عن تمسك حزبه بـ«المسار الانتخابي السلمي كطريق وحيد لإرساء شرعية شعبية تقوم على صناديق الاقتراع»، وداعيا «كافة القوى الديمقراطية إلى توحيد الجهد للوقوف في وجه محاولات زعزعة الاستقرار والالتفاف على الاستحقاق الانتخابي ليوم 23 أكتوبر المقبل والتصدي لمحاولة الاستيلاء على الحكم اعتماداً على أقليات عنيفة».
انقسام وتيارات
وتنقسم الساحة السياسية التونسية حاليا بين تيارات راديكالية تحاول ان تظهر للناس بعكس ما تضمر واخرى وسطية معتدلة تناضل من اجل الحفاظ على صورة تونس الحديثة والمنفتحة والمسايرة لطبيعة العصر، اما الاحزاب السياسية فإن اغلبها يعاني من الفشل التكتيكي والافلاس المادي وغياب القاعدة الجماهيرية، في حين ترتفع اسهم حزب حركة النهضة الاسلامي الذي يعتبر الاكثر تنظيما والاقوى تمويلا والاقدر على استقطاب الجماهير عبر الاعلام والاعمال الاجتماعية والخيرية.
وفي إطار متصل، يخشى المراقبون في تونس من التصريح بخشيتهم من امكانية قيام الاسلاميين بتفرعاتهم الحركية المختلفة بالعمل على الوصول الى الحكم ولو بالقوة في حال لم يتحقق لهم ذلك عبر صندوق الاقتراع. ويربط هؤلاء المراقبون ذلك بالوضع الاقليمي والدولي العام حيث ان البديل الاول لأي نظام عربي يسقط هو الاسلام السياسي الذي بات يحظى بقبول من لدن الحكومات الغربية.