أضعف نصف قرن من القمع في ظل حكم حزب البعث المعارضة السورية لكنها متحدة في المطالبة بالتغيير ومنقسمة بشأن كيفية تحقيقه.
وظهرت الانقسامات بوضوح هذا الاسبوع حين أتاحت القيادة للمعارضة في دمشق منبرا نادرا للتعبير العلني. وسمحت لها بالتحدث عن مطالبها لكن هذا ايضا كشف انقساما بين المشاركين ونشطاء آخرين يعيش كثير منهم بالخارج اعتبروا أن اللقاء لا جدوى منه في الوقت الذي لاتزال فيه قوات الامن تسحق الاحتجاجات.
وقال فاتح جاموس القيادي في حزب العمل الشيوعي الذي سجن لمدة 19 عاما بوصفه معارضا :«من حيث المبدأ نحن قطعا مع الحوار ولا نعتقد أبدا أن أي شيء آخر ممكن أن يحل الأزمة في سوريا غير الحوار».
واستطرد قائلا :«لكن قبل هذا الحوار طالبنا بعدد من الخطوات العملية على الارض كي نخلق بيئة أو جوا خاصا بالحوار كي لا يبدو الطرف الآخر الذي يحاور السلطة أنه في مواجهة الحركة الشعبية».
وتعتقد شخصيات أخرى بالمعارضة أن الأسد أهدر بالفعل فرصا للاصلاح قائلة انه فات أوان الحوار الوطني الذي وعد به وانه يجب أن يرحل الان.
وقال ناشط علماني في دمشق طلب عدم نشر اسمه حرصا على سلامته :«هذا النظام فقد شرعيته. لا أرى داعي للحديث معه. يجب أن يرحل وسنختار طريقنا من بعده. يجب أن يرحل أولا».
ويقول لؤي حسين الكاتب الذي اعتقل خلال احتجاجات العام الحالي والذي شارك في مؤتمر المعارضة بدمشق يوم الاثنين الذي دعا الى التغيير الديمقراطي ان على السلطات أن تعد المناخ الملائم لاجراء المحادثات.
وأضاف :«قبل الحوار مع السلطة لابد من أن تتحقق شروط موضوعية وهذه الشروط هي وقف العملية العنيفة التي تقوم بها السلطة تجاه المتظاهرين وتجاه أصحاب الرأي.. وإتاحة المجال للأصوات المعارضة».
وعلى الرغم من أن المعارضة العلمانية تشترك في هدف تحقيق الديمقراطية وتعارض التدخل الأجنبي فان سنوات من القمع في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد والد بشار أدت الى تشرذم هذا التجمع الفضفاض لليبراليين ودعاة القومية العربية والأكراد.
وقال عارف دليلة الاقتصادي الكبير والناشط الذي قضى سنوات في السجن :«هذه المظاهرات لم تنبت من الغيب بل كان لها مقدمات كثيرة. نشأت المعارضة الشارعية التي أصبحت تلعب الدور الرئيسي في المطالبة بالتغيير». وكان دليلة تراجع في اللحظة الأخيرة عن المشاركة في الحوار الذي جرى في دمشق هذا الأسبوع.
وفي حين أن من غير المرجح أن يؤثر وعد الأسد بإجراء حوار وطني على المحتجين الملتزمين فانه قد يبعث بإشارة ايجابية «للاغلبية الصامتة» التي لم تخرج الى الشوارع سواء خوفا من القمع او خشية الفوضى التي قد تحدث ان رحل الاسد.
وقال فايز سارة الكاتب الليبرالي الذي حضر الاجتماع في دمشق انه انجاز مهم ساعد في الجمع بين وجهات النظر المختلفة. وعبر عن أمله في أن يتكرر هذا في المحافظات ووصف اللقاء بأنه تقدم في نشاط المعارضة التي كانت محرومة من الاجتماع وتنظيم التجمعات على مدى الاعوام الخمسين الماضية.
وليست هذه المرة الاولى التي يستقبل فيها اجتماع للمعارضة بالتشكك. فحين التقت مجموعة من النشطاء وأحزاب المعارضة في تركيا الشهر الماضي وصف منتقدون من المعارضة السورية نفسها ما قاموا به بأنه محاولة لتشجيع القوى الخارجية على التدخل في بلادهم.
وكشف هذا عن صدع آخر في صفوف المعارضة بين نشطاء يعيشون بالخارج يحشدون دعم المجتمع الدولي لاتخاذ موقف ضد الاسد ومن لايزالون داخل البلاد ويصر معظمهم على أن يحل السوريون مشاكلهم بأنفسهم.
تركيبة معقدة
أكد كثيرون أن التركيبة الطائفية والعرقية المعقدة لسوريا من الاسباب القوية لتشجيع الحوار لتقليل خطر وقوع اعمال عنف نتيجة التغير المفاجيء في السلطة. ويقول محللون ان السنة الذين يمثلون اغلبية والاكراد والعلويين والمسيحيين قد ينزلقون الى حرب أهلية اذا تزايد اعتماد الاسد على العلويين الذين ينتمي اليهم سواء كقوات نظامية او ميليشيات للاحتفاظ بالحكم. وقال جاموس :«الازمة بحد ذاتها ما زالت غير ناضجة وهي تسير إلى مآلات خطرة...أرجو استدراك الامر من قبل الفعاليات السورية ويصير فيه بيئة جادة للحوار.
يجب أن تقدم تنازلات وخصوصا النظام الذي هو السبب الرئيسي لما يحصل. تنازلات في المصالح وتنازلات في المفاهيم».