قصف الجيش السوري الحر أمس مطاراً عسكرياً تسيطر عليه القوات الموالية للنظام قرب مدينة حلب بالدبابات، في وقت شهدت المدينة اشتداد المعارك تعرض خلالها حي صلاح الدين إلى قصف بالطيران الحربي، وفيما يتقدم المنشقون إلى وسط المدينة القديمة، شنت أجهزة الأمن حملة اعتقالات في محيط القصر الجمهوري بالعاصمة دمشق.

وذكرت مصادر متطابقة أن مطار منغ العسكري قرب حلب، الذي تقلع منه المروحيات والطائرات التي تشن هجمات على المدينة تعرض لقصف بالأسلحة الثقيلة. واكد المرصد السوري لحقوق الانسان، الذي يتخذ من بريطانيا مقرا له، في بيان، أن «مطار منغ العسكري تعرض للقصف بدبابة استولى عليها مقاتلون من الكتائب الثائرة في عمليات سابقة».

منطلق القصف

وسمع صحافي في وكالة «فرانس برس» أصوات انفجارات ورشقات رشاشة من جهة المطار. واكد مقاتلون ان القصف ناتج عن «هجوم من اجل الاستيلاء على المطار الذي تنطلق منه المروحيات والطائرات التي تقصف حلب». وكان الناطق باسم الامم المتحدة مارتن نسيركي اكد أول من امس نقلا عن بعثة المراقبين في سوريا ان مقاتلي المعارضة في حلب حيث تدور معارك عنيفة منذ 20 يوليو الماضي، يمتلكون دبابات واسلحة ثقيلة اخرى غنموها من القوات الحكومية.

وقال مقاتل من الجيش الحر يدعى أبوعلي لوكالة «رويترز»: «ضربنا المطار باستخدام دبابة استولينا عليها من جيش الاسد. هاجمنا المطار بضع مرات لكننا قررنا التراجع هذه المرة». وقال المرصد السوري: إن القوات الموالية للنظام بالقاعدة الجوية استخدمت المدفعية ومنصات إطلاق الصواريخ لقصف بلدة تل رفعت التي تقع بين القاعدة وحلب.

قصف صلاح الدين

وسمع مراسلو «رويترز» دوي نيران أسلحة ثقيلة من منطقة صلاح الدين بجنوب غرب حلب، وهي بوابة للمدينة البالغ عدد سكانها 2.5 مليون نسمة. وخلال القتال في صلاح الدين لم يستطع اي من الطرفين تحقيق السيطرة الكاملة. وفي شارع الشرقية نظر سكان واصحاب متاجر الى الدمار في ألم. وبحث البعض بين ما تبقى من مبانيهم من كتل خرسانية ضخمة وحديد معوج. وقال أبواحمد وهو يغادر منزله: «رأيت الموت امام عيني. كنت مختبئا في الزقاق الذي يوجد به بيتي حين سمعت صوت المدفعية. فلتنظر الى شارعي الآن». وذكر السكان ان الاضرار نجمت عن نيران طائرات هليكوبتر استهدفت كتيبة لمقاتلي الجيش الحر تتخذ مدرسة مقراً لها. ولم تصب المدرسة وإنما أصيبت مبان سكنية. وقال أبواحمد: «الاسد ورجاله أصيبوا بالعمى لدرجة أنهم لا يستطيعون استهداف كتيبة استهدافاً صحيحاً».

وقتل سبعة أشخاص بينهم ثلاث نساء وطفلان في قصف تعرضت له بلدة ابين في ريف حلب، بحسب المرصد.

وقطعت منذ مساء أول من أمس الاتصالات الهاتفية وشبكة الانترنت في مدينة حلب لساعات طويلة قبل ان تبدأ بالعودة تدريجا، بحسب ما ذكر المرصد، الذي أشار الى تعرض حي الميسر لقصف من القوات النظامية التي استخدمت الطائرات الحوامة. وكان افاد صباحا عن اشتباكات في حي الزبدية. ويؤكد الجيش السوري الحر انه يسيطر على 50 في المئة من مساحة مدينة حلب.

نقطة تحول

وتحاول قوات الأسد المزودة بالأسلحة الثقيلة إخراج قوة من بضعة آلاف من مقاتلي المعارضة من المدينة في معركة يمكن أن تمثل نتيجتها نقطة تحول في الصراع. وعلى الرغم من بذل القوات الحكومية جهودا للسيطرة على صلاح الدين فإنها لم تشن حملة شاملة على المدينة بالكامل بعد. وانقطعت خطوط الهواتف المحمولة منذ الليلة قبل الماضية مما أثار تكهنات بين السكان بأن تكثيف العمل العسكري ربما يكون وشيكاً. ويعزز مقاتلو المعارضة سيطرتهم على المناطق التي استولوا عليها في حلب فيهاجمون مواقع للشرطة ومنشآت عسكرية صغيرة محرزين قدرا من النجاح. وأعلنوا أنهم سيطروا على ثلاثة مراكز للشرطة هذا الأسبوع.

وكانت اشتباكات عنيفة جرت الاربعاء في حي باب النيرب شرق حلب بين الجيش النظامي مدعوما بمقاتلين من عشيرة آل بري، ومقاتلي المعارضة، غداة إعدام الجيش السوري الحر أحد قادة هذه العشيرة ويدعى زينو بري بتهمة انه زعيم عصابات الشبيحة الموالية للاسد في حلب. وذكر مصدر أمني أن هذه العشيرة السنية الكبيرة التي تدعم النظام منذ أكثر من 30 عاما مقابل حصولها على امتيازات عديدة، توعدت بالانتقام لمقتل زينو عبر الزج بالآلاف من أبنائها لقتال الجيش الحر.

القصر الجمهوري

من جهة أخرى، وفي دمشق، تحدث المرصد عن «حملة مداهمات واعتقالات نفذتها قوات الامن في حي المهاجرين الذي يقع فيه القصر الجمهوري المعروف بقصر المهاجرين»، موضحا ان «الحملة استمرت لنحو ساعتين واسفرت عن اعتقال نحو 20 شابا حسب حصيلة اولية». وقال: إن «القوات النظامية ترافقها ثلاث دبابات وعدة سيارات محملة بعناصر مدججين بالسلاح تشن حملة مداهمات في حي الزهور الواقع شرق حي الميدان والمجاور لحي التضامن» الذي اقتحمته القوات النظامية أول من أمس بعد اشتباكات عنيفة. كما اشار الى «اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية السورية ومقاتلين من الكتائب الثائرة المقاتلة في منطقة اللجاة التي تعتبر احد اهم معاقل الثوار في محافظة درعا».

أزمة ثلاثية الأبعاد

قال رئيس مؤتمر ميونخ الدولي للأمن فولفجانج إشينجر: إن «الحرب بالوكالة» في سوريا تكشف عن أزمة ثلاثية الابعاد.

وأضاف في تصريحات لإذاعة ألمانيا: «نجم عن الثورة ضد النظام السوري البعد الاول من الازمة المتمثل في حرب أهلية وإقليمية سنية-شيعية»، مضيفا أن ذلك له عواقب وخيمة على المنطقة بأكملها. وذكر أن البعد الثاني تمثل في عدم قدرة المجتمع الدولي على التصرف في ظل عرقلة إصدار قرار من مجلس الأمن بشأن سوريا، أما البعد الثالث فتمثل في أزمة الثقة العميقة بين الولايات المتحدة وروسيا بعد تجاهل كبير من الغرب لروسيا خلال السنوات الماضية، خاصة في نظام الدفاع الصاروخي.