شهدت مناطق تونسية مختلفة اشتباكات بين قوات الأمن وجماعات سلفية في الساعات الأولى من نهار الأمس حيث حرق السلفيون مقر محكمة تونس 2 ومركزاً للشرطة بمنطقة السيجومي ومقرا للحزب الجمهوري وهاجموا مطاعم سياحية في ضواحي العاصمة، سرعان ما امتدت إلى مدن أخرى من سوسة (140 كيلومتراً جنوباً) إلى جندوبة في أقصى الشمال الغربي ما أدى إلى انتشار الفوضى.

 

واستدعت هذه الحالة من الفوضى تدخل قوات الأمن التي أطلقت الرصاص الحي لفرض الأمن واعتقلت العشرات وجاءت هذه الأحداث على خلفية معرض فني في فضاء قصر العبدلية بضاحية المرسى تضمن لوحات تشكيلية ذكر السلفيون أنها مسيئة للإسلام.

 

ونجحت الجماعات السلفية في غلق الشوارع بعد إشعال النار في الإطارات المطاطية بمنطقتي حي التضامن وسيدي حسين غربي العاصمة، ومحاولة الهجوم على مقرات أمنية بضاحية الكر ، واقتحام قاعة للعروض الفنية بالمرسى.

 

ولجأت قوات الأمن إلى إطلاق الرصاص في الهواء لتفريق مئات المحتجين الذين انتشروا في عدد من أحياء تونس والمناطق المجاورة في استعراض للقوة رفعوا خلاله شعارات الجهاد والدفاع عن حرمة الدين. وذكرت قالت وزارة الداخلية التونسية أن الشرطة اعتقلت 86 شخصا من بينهم عشرات السلفيين بعد هذه الاشتباكات التي استمرت منذ أول من أمس احتجاجا على معرض فني تضمن لوحات مسيئة للذات الالهية. وأكد المسؤول الإعلامي بالوزارة لطفي الحيدوري توقيف 86 عنصرا قاموا بمهاجمة قوات الأمن ومنشآت عمومية من بينهم عناصر سلفية وكذلك بلطجية،وأضاف:«سجلنا على الأقل سبع إصابات في صفوف رجال الأمن».

تبرير!

 

بالمقابل، برّرت الجماعات السلفية تحركاتها بوجود معرض فني في فضاء قصر العبدلية بضاحية المرسى تضمن لوحات تشكيلية قالوا إنها مسيئة للدين الاسلامي حيث تم افتتاح المعرض في إطار تظاهرة ربيع الفنون بالمرسى والذي نظم في القترة ما بين 1 إلى 10 يونيو الجاري.

 

امتداد الفوضى



وفي حين تم الاعتداء على المعهد العالي للفنون الجميلة بالزجاجات الحارقة في سوسة شهدت جندوبة حرق المقر الجهوي للاتحاد العام التونسي للشغل ومقار أحزاب المعارضة و من بينها حزب حركة الديمقراطيين التقدميين التي يتزعمها شكري بلعيد، والحزب الجمهوري الذي يتزعمه أحمد نجيب الشابي، وحزب التكتل الذي يرأسه مصطفى بن جعفر والذي يشغل أيضاً رئيس المجلس الوطني التأسيسي أحد أقطاب الائتلاف الثلاثي الحاكم.

 

وبدأت الأحداث منذ ليل الاحد الاثنين عندما قام منتمون إلى الجماعات السلفية بالهجوم على المعرض قبل أن تتدخل قوات الأمن إلى مكان الحادثة ويتولوا نقل جميع اللوحات المعروضة والتي يقدر عددها بحوالي 20 لوحة بغرض حمايتها ووضع حد للشغب.



لا مساس بالمقدسات

في هذه الأجواء الملتهبة، أصدرت وزارة الثقافة التونسية بياناً ذكرت فيه أن تظاهرة «ربيع الفنون بالمرسى» التي نظمتها جمعية ربيع الفنون بالمرسى بالتعاون مع النيابة الخصوصية ببلدية المرسى في فضاء قصر العبدلية كان بموجب ترخيص صادر عن وكالة إحياء التراث و التنمية الثقافية المشرفة على فضاء العرض.

 

وقال وزير الثقافة مهدي المبروك لـ «البيان» إن وزارة الثقافة «لم تشارك في إعداد أو تنظيم المعرض ، ولكن هذا لا يمنعنا من التأكيد على أننا ندافع و بكل قوة عن حرية الإبداع والمبدعين مع رفضنا القطعي لكل ما يمثّل اعتداء على المقدسات كما هو الحال في بعض اللوحات المعروضة»



أحزاب تستنكر



في الأثناء، توالت ردود الفعل على الأحداث حيث أصدرت حركة النهضة الإسلامية الحاكمة بيانا استنكرت فيه ما وصفته «الاعتداءات الشنيعة والمتكررة على عقائد الشعب ومقدساته».

 

ودعا البيان «كل مكونات المجتمع المدني إلى الرفض الصارم والصريح لأي انتهاك للمقدسات»، موجها نداء إلى كل التونسيين من أجل «التوحد لتحقيق أهداف الثورة ببناء دولة الحرية والتنمية والكرامة وتجنب كل ما يدفع إلى الفتنة والتشتت»..

 

من جهته، عبر حزب العدالة والتنمية عن «استيائه العميق لعرض فضاء العبدلية بالمرسى العديد من الصور المسيئة للإسلام وبخاصة للذات الإلهية وللرسول»، مستنكرا في بيان له، ما تمثله مثل هذه الممارسات التي وصفها بـ:«الممنهجة والمتصاعدة» من «استفزاز» للمسلمين في تونس وفي العالم داعياً الحكومة والمجلس التأسيسي ورئاسة الجمهورية «لتحمل مسؤولياتهم وتطبيق القانون الذي يجرم الاعتداء على المعتقد والتطاول على الذات الإلهية».

 

أما حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، أصدر بيانا استنكر فيه «الاعتداء السافر الذي تعرض له ربيع الفنون بفضاء العبدلية بالمرسى».



تهديدات بالتصفية

في غضون ذلك، تلقى عدد من رموز الساحة السياسية التونسية ممن يتهمهم السلفيون بالعلمانية ومعاداة الدين تهديدات بالتصفية الجسدية ومن بينهم زعيم الحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي وشقيقه عضو المجلس الوطني التأسيسي عصام الشابي اللذين سبق وأن عبرا عن تعاطفهما للفنانين التونسيين في مواجهة التيارات المتطرفة ، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للقتل و الاغتيال وفتاوى دينية بهدر دم «العلمانيين وأعداء الدين » على حد تعبير مطلقي هذه الفتاوى.

 

و كانت الأمينة العامة للحزب الجمهوري مية الجريبي استنكرت في تصريحات صحافية موقف الحكومة في التعامل مع ظاهرة التطرف والعنف التي سادت البلاد ، وقالت إن ما يحدث في تونس الآن هو دعوة للفتنة وترويع المواطنين وغياب للقانون.



إرجاء الامتحانات



أكد وزير التربية التونسي عبداللطيف عبيد انه تقرر تأجيل جميع امتحانات الثانوية العامة المبرمجة ليومي الثلاثاء واليوم الأربعاء إلى يومي الجمعة والسبت بعد أن تأكدت الوزارة من وجود تسريبات لبعض مواد الامتحانات.

و قال عبيد لـ «البيان» إن تحقيقات إدارية و أمنية فتحت في الغرض ، مشيراً إلى أن تسريب الامتحانات يمكن أن يحدث في أي بلد وأن ما حدث ليس استثناء، وسبق لامتحانات الثانوية العامة في تونس أن عرفت مثل هذه الحادثة في العام 2005.