وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة، شارك فيها قرابة 15 ألف جندي وضابط من قوات الأمن ومدرعات، وعقب كلمة من رئيس المحكمة استمرت نحو 30 دقيقة، كانت أقرب إلى «المرافعة السياسية»، قضت محكمة جنايات القاهرة بالسجن المؤبد ضد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مع تبرئته من تهمة الكسب غير المشروع، ووزير داخليته حبيب العادلي، كما قضت بانقضاء الدعوى ضد جمال وعلاء نجلي مبارك، وتبرئة ساحة مساعدي وزير الداخلية الستة المتهمين في القضية.. فيما أفيد بأن مبارك، الذي أجهش بالبكاء لدى نقله إلى مستشفى سجن مزرعة طرة، أصيب بأزمة قلبية حادة لم تتبيّن خطورتها على حياته.
وفي بداية الجلسة التي شهدها العالم أجمع، قال رئيس المحكمة المستشار أحمد رفعت في مستهل الجلسة: بسم الله الحق العدل، مطالباً الحضور بالهدوء التام أو «الاعتذار فوراً». وقال رئيس المحكمة القاضي مستبقاً القرار إن المحكمة قضت بما «استقر في وجدانها وضميرها، وبعد غوص في الأوراق وما حوته من تحقيقات، وما أرفق بها من مستندات، وما ارتاحت إليه عقيدتها».
وأصدر رفعت حكمه بالسجن المؤبد على الرئيس السابق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي «لمسؤوليتهما عن قتل المتظاهرين إبان الثورة» التي أطاحت بمبارك في فبراير 2011، فيما برأ نجليه جمال وعلاء وستة من قيادات وزارة الداخلية السابقين، وهم: اللواء إسماعيل الشاعر مدير أمن القاهرة الأسبق، واللواء عدلي فايد مدير قطاع الأمن العام السابق، واللواء عمر الفرماوي مدير أمن 6 أكتوبر السابق، واللواء حسن عبد الرحمن رئيس مباحث أمن الدولة السابق، واللواء أسامة المراسي مدير أمن الجيزة السابق، وأحمد رمزي مدير قطاع الأمن المركزي.
وأكد القاضي أن التهم الموجهة إلى نجلي مبارك علاء وجمال سقطت بالتقادم، وبالتالي «انقضت الدعوى الجنائية بالنسبة لهما». لكن التلفزيون الرسمي أعلن أن النائب العام أمر باستمرار حبس نجلي مبارك على ذمة قضية تلاعب في البورصة.
وفور صدور الحكم شبت اشتباكات داخل المحكمة بين محامين مؤيدين ومعارضين لمبارك، وهتف المنددون بالحكم، «الشعب يريد تطهير القضاء»، و«باطل.. باطل». وأفاد التلفزيون، نقلاً عن وزارة الصحة، أن 12 شخصاً أصيبوا في اشتباكات عقب صدور الحكم.
الطعن على الحكم
وفي رد الفعل، نقل التلفزيون عن النائب العام المساعد والناطق الرسمي باسم النيابة المستشار عادل السعيد، إن النائب العام أمر بالطعن على الحُكم، وذلك لمحاولة تغليظ العقوبة وتفادي الغضب. كذلك، أعلن أحد محامي مبارك أنه سيتم الطعن في الحكم أمام محكمة النقض.
وقال المحامي الذي يدعى ياسر بحر لوكالة «فرانس برس» إن هذا الحكم «فيه عوار قانوني من كل ناحية، وسنطعن عليه أمام محكمة النقض». إلى ذلك، أصيب ستة أشخاص، واعتقل حوالي 30 في اشتباكات أمام مقرّ المحاكمة عقب الحكم.
إلى طرة
وذكرت تقارير إخبارية أن مبارك أجهش بالبكاء أثناء نقله إلى طرة، ورفض النزول من الطائرة. وقال: «حسبي الله ونعم الوكيل.. أنا خدمت البلد»، قبل أن يقنعه الضباط بضرورة تنفيذ الحكم.
ونقل التلفزيون عن مصدر طبي قوله إن مبارك أصيب بأزمة صحية حادة لدى وصوله إلى السجن. وأوضح التلفزيون نقلاً عن المصدر أن مبارك 84 عاماً، انصاع في آخر الأمر للقرار.
في الأثناء، نفى مصدر مطلع إضراب أي من المتهمين الحاصلين على أحكام بالبراءة عن الطعام. وشدد المصدر أنهم «ليس لديهم أي مشكلات عقب صدور الحكم».
تدابير أمنية
وكانت قوات الأمن أقامت أطواقاً أمنية من آلاف الجنود معزَّزين بالدبابات والمدرعات وعربات الجيش حول مقر المحاكمة بمبنى أكاديمية الشرطة في القاهرة الجديدة، ووضعت حواجز حديدية للفصل بين أسر ضحايا ثورة 25 يناير وبين مناصرين لمبارك من جماعتي «إحنا آسفين يا ريس» و«أبناء مبارك»، فيما تمركزت عشرات من سيارات الإسعاف بالجوار، خشية وقوع مصادمات بين الطرفين. وتُقدِّر الإحصاءات الرسمية عدد قتلى الثورة ما بين 25 يناير و11 فبراير 2011، بـ 946 بغالبية المحافظات المصرية، بالإضافة إلى أكثر من ثلاثة آلاف مصاب، بعضهم بعاهات مستديمة.
ويأتي الحكم في وقت تشهد فيه البلاد توتراً سياسياً بسبب الانتخابات الرئاسية التي قد تأتي بآخر رئيس وزراء لمبارك، أحمد شفيق، إلى سدة الحكم، إذ يخوض جولة الإعادة في مواجهة مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي في 16 و17 يونيو الجاري.
أدوية للموت
ذكرت صحيفة «التايمز» البريطانية أن مبارك طلب من أطبائه أدوية «تساعده على الموت».
وأوضحت الصحيفة أن مبارك «طلب ذلك من أطبائه بعد إصابته بالاكتئاب عقب الثورة» ونقلت «التايمز» عما وصفتها بـ «مصادر مقربة من مبارك» أن الرئيس السابق أصيب بحالة «اكتئاب بالغ بسبب سقوطه المفاجئ بعد أكثر من ثلاثين عاماً في السلطة». وقالت المصادر إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي كلفه مبارك بإدارة شؤون البلاد عقب تنحيه «عرض تقديم طائرة لمبارك للذهاب بها إلى حيث يريد لمدة أسبوع».
وتنقل «التايمز» عن المصادر نفسها، والتي لم تسمها، قولها إن مبارك الذي يعالج من مشاكل في القلب وسرطان المعدة «صدم ورفض العرض». وتشير المصادر إلى أن حالة الاكتئاب بلغت ذروتها في شهر إبريل عام 2011 أي بعد ستة أسابيع تقريباً من تركه السلطة. وذكرت الصحيفة أن مبارك وافق على تناول أدوية مضادة للاكتئاب «لكنه رفض رؤية طبيب نفسي».
أدلة غير كافية
أكد رفعت أنه «لا توجد أدلة فنية قطعية تثبت أن وفاة وإصابة المجني عليهم في التظاهرات كانت من أسلحة الشرطة». وأضاف أن أوراق الدعوى التي فحصتها هيئة المحكمة فحصاً دقيقاً «خلت من أي تسجيلات سلكية أو لاسلكية، أو ثمة تسجيلات تعتمد عليها المحكمة في الإدانة، كما أن هيئة المحكمة لا تطمئن إلى ما تم إثباته في دفاتر مخازن السلاح الخاصة بالأمن المركزي المقدمة في الدعوى، ويساورها الشك بشأنها». وأشار إلى أن «كافة التقارير الطبية المرفقة بأوراق التداعي، وإن صح ما أثبت بها من إصابات لكنها في عقيدة المحكمة لا تصلح دليلاً على شخصية محدثها». ونبه إلى أن أوراق المحكمة خلت من ثمة أوراق أو تعليمات أو شواهد كدليل قاطع جازم ضد أي من المتهمين بقتل المتظاهرين. .