رهن كبير المفاوضين الفلسطينيين د. صائب عريقات تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بإدراك الولايات المتحدة والقوى العظمى ضرورة «تجفيف مستنقع الاحتلال الإسرائيلي»، مؤكدا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ما إن خيرت بين السلام أو الاستيطان إلا اختارت الأخير.

وأضاف د. عريقات في حوار إلى «البيان» أن الرسالة التي حملها قبل ايام إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو من قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) هي بمثابة حجر ألقى في مياه المفاوضات الراكدة.. وشدّد على ان المفاوضات ليست هدفاً بحد ذاتها، وطالب الرئيس الأميركي بوضع جداول زمنية لتنفيذ ما تحدث عنه سواء كان الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 أو ديمقراطية في العالم العربي.



ودافع المسؤول الفلسطيني عن جهود الرئيس باراك اوباما قائلاً إنه أول رئيس أميركي دولتين بحدود 1967، ولفت إلى أنه أعلن في اليوم الثاني من توليه الرئاسة في العام 2009 أعلن عن تعيين السيناتور جورج ميتشيل مبعوثا لعملية السلام وأعلن عن ضرورة وقف الاستيطان، لكنه ووجه بأمور داخلية كثيرة. وأردف القول إنه «على الرئيس الأميركي القادم، أيا كان، أن يدرك أن مصالح الإدارة الأميركية ومصالح الولايات المتحدة بشكل عام لا يمكن أن تتحقق إلا بتجفيف مستنقع الاحتلال الإسرائيلي، والقبول بالديمقراطية كمبدأ عيش أساسي للعرب».

نحن لن نوقف تحركنا. التحرك التالي بعد الرد الإسرائيلي على الرسالة لن يستند إلى طبيعة ما يجري في أميركا من انتخابات أو في إسرائيل من انتخابات مبكرة.

ما سيحركنا هو مصالحنا وليس أي أمر آخر.

• هذه هي المصلحة الأميركية، فبماذا تتمثل المصلحة الفلسطينية؟

المصلحة الفلسطينية هي تمسّكنا بأرضنا وصمودنا، ومصالحتنا ووحدتنا الوطنية، ارتكازنا على القانون الدولي، والتأكيد للعالم أجمع على أن ميلاد فلسطين سيكون عوناً وسنداً ومصدراً للسلام والأمن والاستقرار والازدهار الإقليمي الدولي ولن تكون خطراً على أحد.

وكشف المسؤول الفلسطيني عن خريطة طريق تعمل عليها السلطة لمواجهة تعثر خيار السلام، وهي: المصالحة الفلسطينية، وتفعيل منظمة التحرير عبر انتخابات المجلس الوطني والرئاسة والتشريعات، توازيا مع المقاومة السلمية، فضلا عن تفعيل العلاقات العربية، الداعمة لكل الخطوات الفلسطينية، إضافة إلى العلاقات الدولية مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والصين وآسيا وكندا وأفريقيا. ثم إبراز دور مجلس الأمن والجمعية العامة ومؤسسات الأمم المتحدة وميثاق جنيف 1949. مشيرا إلى أن هذه الركائز جار العمل بها وفقا لقاعدة التوازي وليس التتالي.

وفي ما يلي تفاصيل الحوار بين «البيان» ود. صائب عريقات:

• سلّمتم قبل نحو عشرة أيام رسالة من الرئيس محمود عباس إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وفي ضوء انتظاركم الرد على ما ورد فيها، هل ترجون شيئاً إيجابياً من إسرائيل بخصوص المفاوضات؟

الرسالة قيل القليل والكثير عنها، ولكن يجب التأكيد على أنها ليست هدفاً بحد ذاتها. يجب النظر اليها على أنها حجر فلسطيني ألقي في المياه الإسرائيلية الراكدة.



وكما نضع نحن استراتيجية، يضع الجانب الإسرائيلي استراتيجية. واستراتيجية حكومة نتانياهو هي إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، لذلك ارتأى الرئيس محمود عباس أن يرسل هذه الرسالة ليقول لنتانياهو أن الذي بيني وبينكم اتفاقات موقعة والتزامات، وأن السلطة الفلسطينية ولدت لنقل الشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال ولن يُسمح لأن يكون للسلطة أي وظيفة غير تلك. لذلك طلب الرئيس وقف الاستيطان بما يشمل في القدس، الالتزام بحدود 1967، والإفراج عن المعتقلين وغيرها من الالتزامات.



نحن ننتظر الرد. هم قالوا إنهم سيدرسون الرسالة بعناية وسيردون خلال أسبوعين.. انقضى أسبوع وبقي أسبوع.

• ماذا تتوقعون.. وقد ردّ نتنياهو عمليا على الرسالة بتشريع مستوطنات عشوائية؟

المسألة ليست أننا لا نعرف أن يقف نتنياهو من عملية السلام. قد يكون رد علينا الأسبوع الماضي عندما أعلن عن إنشاء ثلاث مستوطنات جديدة. ولكن العالم أجمع يراقبنا نحن وإياهم، ونحن نحاول أن نقول للعالم أجمع أننا بذلنا كل جهد ممكن من أجل إحياء عملية السلام. طلبنا من الجانب الإسرائيلي العودة إلى المفاوضات عبر اللجنة الرباعية، ثم ذهبنا معاً تحت المظلة الأردنية في شهر يناير الماضي، والأن أرسلنا رسالة. ولكن يبدو أن الحكومة الإسرائيلية لم تختر هذا أو ذاك.

نحن نريد وقف الاستيطان والالتزام بحدود 1967 وأطلاق الأسرى والمعتقلين وأن نتعهد تنفيذ التزاماتها حتى نصل إلى استئناف المفاوضات، لأنّه بدون ذلك يكون هناك من جانبنا خطوات سيعلن عنها لاحقا من قبل الرئيس محمود عباس.

• أنتم تسعون لاستئناف المفاوضات، ولكن هل ترون أي جدوى منها؟



المفاوضات ليست هدفا بحد ذاتها.. هي أداة الذي عطل عملية السلام ليست المفاوضات، بل هو الطرف الإسرائيلي الذي ابتدع عبارة: «ليس هناك مواعيد مقدسة»، فلم ينفذ ما عليه من التزامات ، وهو الطرف الذي سيتم في الاستيطان والإملاءات بدلا من المفاوضات والسلام. وبالتالي، العيب كل العيب في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي ارتأت أن تستكمل الإملاءات والمستوطنات بدلا من السعي نحو السلام والمفاوضات.

نحن لسنا ضد المفاوضات،ولا يمكن أن نسمح لها أن تكون هدفاً، بل وسيلة لهدف وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. إلى الآن، اختارت الحكومات الإسرائيلية، عندما خيّرت بين السلام والاستيطان، الخيار الثاني.

خيارات وخطوات



• تحدثتم عن خطوات مضادة في حال كان الرد الإسرائيلي بعيدا عن خيار السلام.. هل بينها حل السلطة؟ أو التوجّه إلى الأمم المتحدة لفرض الالتزامات؟



لم يتحدث أحد في يوم من الأيام عن حل السلطة. هذه السلطة هي ثمرة كفاح الشعب الفلسطيني.



ما تقوله الرسالة الفلسطينية الأخيرة إلى إسرائيل أن السلطة وجدت لنقل الفلسطينيين من الاحتلال إلى الاستقلال ولن يسمح لأن يتحول دورها من الهدف إلى دور أمني أو اقتصادي أو وظيفي.



أما بالنسبة للخطوات واجبة الاتباع، فهناك استراتيجية فلسطينية بمواقيت زمنية محددة، وهي تتألف من سبعة عناصر نعمل عليها بالتوازي هي: المصالحة، وهي لتحصين القضية الفلسطينية من مخاطر الفصل بين الضفة وغزة وما تحاول إسرائيل من تكريسه من دفع مسؤوليات غزة إلى مصر. فهي إن استطاعت فعل ذلك، فالنتيجة هي القضاء على قيام الدولة الفلسطينية. لا يمكن أن تقوم لنا دولة دون أن يكون قطاع غزة جزءا منها، كما أنه لا يمكن أن تقوم دولة فلسطين دون أن تكون القدس عاصمة لها.



المحور الثاني في الاستراتيجية الفلسطينية هو بناء مؤسسات الدولة وتفعيل منظمة التحرير عبر انتخابات المجلس الوطني والرئاسة والتشريعات.



والقضية الثالثة، هي صمودنا وبقاؤنا على الأرض والمقاومة السلمية. أما المحور الرابع، فهو العلاقة مع إسرائيل، وهو ما ركزت عليه الرسالة الرئاسية. أما الخامس، فهو العلاقات العربية. وهناك الآن مقررات قمة بغداد الأخيرة التي دعمت كل الخطوات الفلسطينية. وهناك، سادسا، علاقاتنا الدولية، مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والصين وآسيا وكندا وأفريقيا. فلم يحدث أن كنا معززين ومؤيدين ومساندين كما نحن الآن. في ديسمبر 2011، طرح مشروع قرار فلسطين على الجمعية العمومية وكان عدد الحضور 184 صوت، 182 مع واثنين فقط ضد. وقبل ثلاثة أسابيع في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، طرح مشروع الحقوق المدنية الفلسطينية، وكان عدد الحضور 47 صوت، 46 دولة مع ودولة فقط ضد.



أما المحور السابع، فهو إبراز دور مجلس الأمن والجمعية العامة ومؤسسات الأمم المتحدة وميثاق جينيف 1949. ونحن نعمل على هذه الركائز وفق قاعدة التوازي وليس التتالي.



حقائق وراعي



• ولكن الإدارة الأميركية، وهي الدولة الراعية لعملية السلام، تقف ضد كل تحركات السلطة الفلسطينية.. هل تفتقدون لغة الإقناع معها؟ وهل لا زلتم ترونها وسيطاً؟



نحن نأمل أن نتمكن كعرب أن نتحدث مع الولايات المتحدة بلغة المصالح التي لا تفهم سواها. عندما نتقن لغة المصالح والحديث بها مع الولايات المتحدة، عندها سنستطيع التأثير بقدر ما نتأثر.

• نتانياهو قال قبل أيام أنه لا يريد أن تكون الدولة الفلسطينية كالجبنة السويسرية.. كلام جميل تنسفه الحقائق.. هل من تعليق؟



في نفس اليوم الذي أعلن فيه عن إنشاء ثلاث مستوطنات جديدة قال فيه إن إسرائيل تريد دولة فلسطينية متواصلة وليست متقطعة. نحن لا نحكم عن نتانياهو عبر الأقوال. والأفعال التي تجري على الأرض هي الحكم، وما يجري من استيطان وابتلاع للأراضي هو الذي يجعل الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة وغير قابلة للتواصل.



عليه أن يختار إما السلام وإما الاستيطان.. أو لا يمكنه أن يجمع بين الأمرين.

سنوات أوباما

• أنت تحكمون على نتانياهو وفق الأفعال لا الأقوال، فماذا بشأن الرئيس الاميركي باراك أوباما الذي دخل في مرحلة العد العكسي لحكمه الذي بدأه بوعد تحقيق السلام وقيام الدولة الفلسطينية. والآن نقترب من نهاية أربعة اعوام عجاف؟



الدول كالأفراد عبْد لمصالحها. والولايات المتحدة لم تصح من النوم أو أنّبها ضميرها على عذابات الشعب الفلسطيني عندما قالت إن إقامة الدولة الفلسطينية مصلحة أميركية عليا.

اليوم هناك نحو 200 ألف جندي أميركي في المنطقة في العراق وقربها وفي أفغانستان لم تعد حدود أميركا هي كندا أو المكسيك والمحيطين. فحدودها الجغرافية أصبحت هي دول الخليج العربي وتركيا وإيران وسوريا والإردن وباكستان. وبالتالي، الصفة الوظيفية للقوى العظمى اختلفت ويجب عليها أن تدرك أنه لا يمكن أن تصنع أمنا واستقرارا وديمقراطية في هذه المنطقة دون تجفيف مستنقع الاحتلال الإسرائيلي.

• نال أوباما العام 2009 جائزة نوبل للسلام نظرا لجهوده الموعودة لإحلال السلام.. كقيادة فلسطينية كيف تقيمون ولاية الرئاسية الباقي منها ثمانية شهور؟

في اليوم الثاني من توليه الرئاسة أعلن عن تعيين السيناتور جورج ميتشيل مبعوثا لعملية السلام وأعلن عن وقف الاستيطان، لكنه ووجه بأمور داخلية كثيرة. وإسرائيل جزء من الحياة السياسية الأميركية. ولكن تبقى الحقيقة أن الرئيس أوباما هو أول من كرس مبدأ التوازن بين المصالح الغربية والمبادئ الديمقراطية للعرب وهذا أمر جيد.



ولكن المطلوب منه وضع جداول زمنية لتنفيذ ما تحدث عنه سواء كان الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 أو ديمقراطية في العالم العربي. وهو تحدث بوضوح عن قيام دولتين على حدود 1967 وهو أول رئيس أميركي يتحدث عن هذا الأمر مع اعتماد طفيف للقيمة والمِثل.

أي رئيس!



• هل تعتقد أن ما لم يتحقق في 40 شهرا يمكن تحقيقه في ثمانية شهور؟



أنا لم أتحدث عن ثمانية شهور. أنا تحدثت عن الفترة المقبلة للرئيس أوباما في حال انتخب رئيسا.

• ماذا لو لم ينتخب؟



المسألة ليست الرئيس أوباما أو رئيسا آخر. ولكن أوباما كان واضحاً عندما حدد مبدأ الدولتين... الرئيس جورج بوش تحدث عن دولة فلسطينية لكنه لم يشر إلى الحدود ولكن أوباما فعل. كذلك تحدث عن توازن بين المصالح الغربية والمبادئ الديمقراطية للعرب.

وعلى الرئيس الأميركي القادم، أيا كان، أن يدرك أن مصالح الإدارة الأميركية ومصالح الولايات المتحدة بشكل عام لا يمكن أن تتحقق إلا بتجفيف مستنقع الاحتلال الإسرائيلي، والقبول بالديمقراطية كمبدأ عيش أساسي للعرب.

• هل من أمل في الأفق خلال الشهور المقبلة لتحقيق أي تحرك مع دخول الإدارة الأميركية معترك التصفيات الانتخابية؟

نحن لن نوقف تحركنا. التحرك التالي بعد الرد الإسرائيلي على الرسالة لن يستند إلى طبيعة ما يجري في أميركا من انتخابات أو في إسرائيل من انتخابات مبكرة.



ما سيحركنا هو مصالحنا وليس أي أمر آخر.

• ألا مصلحة لكم كقيادة فلسطينية لتوضيح المصالحة الفلسطينية ككل المتنافسين على منصب الرئاسة في أميركا.. وأقصد المرشحين الجمهوريين؟

نحن لا نتدخل في الشأن الداخلي الأميركي. والأمر لا يتعلق بشخص، وما يحرك أميركا هو مصالحها.. وأنجع شيء للعرب هو إتقان الحديث بلغة المصالح، ونحن عاجزون عن ذلك، وعجزنا هو ما يجعلنا نتأثر بالحدث دون أن نستطيع التأثير به. ومهما يكن الرئيس المقبل فمصلحة بلاده تمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وإنهاء الاستيطان.



الدول تحرّكها مصالحها. وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق مصالحها في هذه المنطقة فلا يمكن تحقيق ذلك بمعزل عن تحقيق هذه المتطلبات.

• هذه هي المصلحة الأميركية، فبماذا تتمثل المصلحة الفلسطينية؟

المصلحة الفلسطينية هي تمسّكنا بأرضنا وصمودنا، ومصالحتنا ووحدتنا الوطنية، ارتكازنا على القانون الدولي، والتأكيد للعالم أجمع على أن ميلاد فلسطين سيكون عوناً وسنداً ومصدراً للسلام والأمن والاستقرار والازدهار الإقليمي الدولي ولن تكون خطراً على أحد.



لا نريد طبول حرب

في رد على سؤال لـ «البيان» عن انشغال الإدارة الأميركية في الحروب وفي ملفات ساخنة أخرى عن الملف الفلسطيني، ردّ د. صائب عريقات بالقول: «هذه المنطقة ليست بحاجة إلى طبول حرب ولكنها بحاجة إلى إصلاح وهذا لني تحقق إلا بإنهاء الاحتلال». وأردف القول: «هذه المنطقة بحاجة إلى ديمقراطية وكل من يقول إن العربي غير مستعد للديمقراطية فهو عنصري».



وزاد د. عريقات قائلاً إن «ما يحدث في العالم العربي الآن هو من أهم ما يحدث منذ 1000 عام»، مشيراً إلى أن «المواطن العربي كفاه أن تنزع شرعية كمواطن وكإنسان. وبالتالي للإدارة الأميركية الساعية لنشر الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان أن تدرك أن ذلك لن يأتي ما استمرت في التعامل مع إسرائيل كدولة فوق القانون».

اتصالات

قال د. صائب عريقات إن اتصالات مكثفة تجرى مع إسرائيل بشأن إضراب المئات من الأسرى الفلسطينيين عن الطعام منذ 15 يوماً داخل السجون الإسرائيلية.



وذكر عريقات أن هذه الاتصالات حملت الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن أي مكروه قد يصيب الأسرى المضربين عن الطعام في ظل نقل عدد منهم للمستشفى بسبب تدهور أوضاعهم الصحية. وحذّر من خطورة الوضع القائم داخل السجون الإسرائيلية، مطالباً بالاستجابة لمطالب الأسرى وإنهاء معاناتهم بشكل فوري. كما طالب بتدخل دولي لوقف انتهاكات إسرائيل بحق الأسرى.